تعكس المدن هوية أهلها، ويشكل المكان واجهة ما يقبع تحت السطح، وخلف الجدران، ويمكن لكل زائر يتوجه لمكانٍ ما للمرة الأولى أن يكوّن انطباعًا أوليًا عن هذا المكان في اللحظات الأولى، وأن يميّز النمط الذي تنتمي إليه المدينة إن كان محافظًا أو منفتحًا أو مازجًا بين المحافظة والانفتاح.

ويتحدد هذا بفعل عوامل عدة، كالنمط العمراني، والمظهر الخارجي للسكان (الملبس)، وغير ذلك، إذ تبقى المدن المحافظة ـ عادة ـ ملتحفة ببردة من تراث يشكل علامة فارقة ومميزة لها، مع إمكانية توشية هذه البردة التراثية بلمسات معاصرة تزين الأطراف والأسطح الخارجية، دون أن تبلغ العمق أو تمسّ الجذور.

أما المدن المنفتحة فتتزيّن بكل ما يستجدّ وترى فيه إضافة لها، مع محافظتها على أصولها وجذورها، لكن في العمق، وقد تبلغ عنايتها بها حدّ التقديس ولكن كتراث يُعرَض في المتاحف والمعارض، في حين يعبر المظهر الحالي للمدينة عن واقعها المعاصر.

أما المدن التي تمزج بين ماضيها وحاضرها فهي المدن التي تهتم بماضيها اهتمامًا بالغًا، يوازيه اهتمامها بحاضرها ومستقبلها، فتسعى إلى المزج بين الاثنين، وذلك من خلال إبراز التراث بثياب المعاصرة.

وفي دولة الإمارات قد نجد نماذج لهذه الأنماط الثلاثة من المدن، وهذا التفاوت في نسب توزّع ملامح التراث والمعاصرة بين مدن الدولة وإماراتها صحي وإيجابي؛ فتعدد الزمان في مقابل توحد المكان يعدّ ميزة.

وفي الإمارات يمكننا رؤية الماضي والحاضر والمستقبل على أرض دولة واحدة بمجرد الانتقال من مدينة إلى مدينة، وهو ما يعطي كلا منها طابعها الخاص، ويصبغها بصبغة تميزها عن غيرها، مما ينعش الحركة السياحية في الدولة.

وهنا يلوح سؤال الهوية الذي لا يفتأ يطلّ علينا في كل مرة من زاوية مختلفة، ومن بينها ـ على سبيل المثال ـ زاوية المكان، وحقيقة تعبيره عن أفراد المجتمع الذين يشغلونه.

وبالعودة إلى الأنماط المذكورة أعلاه عن المدن وطبيعتها بين حدّي الأصالة والمعاصرة سنجد أن بعض مدن الدولة التي تتميز بشدة تمسكها بالعادات والتقاليد، ومحافظتها على ما يعبر عن الهوية الإماراتية العربية المسلمة، بدأت تفقد طابع المحافَظَة الذي كان يغلب عليها ويميزها.

وأصبح المتجول في شوارعها يفتقد تلك الصورة التي كانت تتبادر إلى الذهن عن طبيعة هذه المدن، وأهلها، وهويتها، وعاداتها وتقاليدها، بسبب وجود بعض المناظر الغريبة والدخيلة عليها، والتي أصبحت تفرض نفسها لتكون جزءًا من المشهد العام والطبيعي لهذه المدن، ولكنها لم تستطع الاندماج في المشهد الأصلي.

وتظهر غريبة وشاذة، بشكل مختلف عن الاندماج وشبه الاندماج الذي قد نلمسه الآن ـ بعد سنوات من المحاولة ـ في مدن أخرى في الدولة تصَنَّف ضمن النمطين الآخريْن.

ومن أمثلة المناظر الغريبة والشاذة على مشهد المدن المحافظة منظر النساء غير المحتشمات (وهذا تعبير ملطف، لكنه ليس التعبير الدقيق) يتجولْنَ بحرية في مدينة لا تُرى نساؤها إلا ملفّعات بالسواد.

وليس هذا الكلام من قبيل المبالغة، إذ إن منظر امرأة غير محتشمة أصبح منظرًا شبه طبيعي في كثير من إمارات الدولة من قِبَل الأجانب سواء كانوا عربًا أو غير عرب، دون مراعاة لهذا البلد والدين الرسمي فيه.

والعادات والتقاليد السائدة، إذ يتصرف هؤلاء الأجانب في بلدنا كما يتصرفون في بلدهم تمامًا، بما يبدو معه أن الجهات المختصة لم تُعرّفهم بالحدود التي يجب الالتزام بها احترامًا لديننا وعاداتنا وتقاليدنا من جهة، وخشية على شبابنا وشاباتنا من سلبيات هذا الأمر من جهة ثانية.

ولكن الأمرّ من ذلك هو أن تُرى امرأة أجنبية (غير محتشمة)، صباحًا، في مستشفى يقع في مدينة تتسم بالمحافَظَة، وهي تسير بكل ثقة بين نظرات المستنكرين الذين لم يتجرأ أحد منهم -ربما بسبب الصدمة- على اتخاذ أي رد فعل. ومن غير المستَبْعَد أن يُعَدّ هذا المستنكِر مخطئًا لأنه يتدخل في موضوع يتعلق بالحرية الشخصية!

وفي الوقت الذي كثرت شكاوى المواطنين من وجود مناظر كثيرة مخالفة لأصول الاحتشام، في المجمعات التجارية، وعلى الشواطئ، وفي أماكن مختلفة في معظم مدن الدولة.

ـ رغم اتخاذ بعض الإجراءات في سبيل الحدّ من هذه التجاوزات الخادشة للحياء ـ نجد أن هذه التجاوزات لا تزال مستمرة، بل إنها بدأت تنتقل إلى المدن التي تغلب عليها صفة المحافَظَة.

ولا يزال هؤلاء الدخلاء يرمقون النساء والفتيات المحتشمات بنظرات ليس لها إلا تفسير واحد وهو الاشمئزاز من منظر الحجاب الذي يمثل لنا إرثًا دينيًا واجتماعيًا نعتز به ولا نقبل أن يُمَسّ حتى بنظرة. إن خطورة هذا الأمر أكبر من أن يتم عرضها في سطور مقالة واحدة.

ولكن من أهمها التأثير على هوية المكان، خصوصًا وأن أشكال هؤلاء النساء ولباسهم غير المحتشم قد أصبح من الكثرة بحيث يكاد يكون أول ما يصادفه الزائر لأي مدينة من مدن الدولة سواء كانت محافظة أو منفتحة أو غير ذلك، مما يعطي انطباعًا خاطئًا ومضللاً عن هوية هذا المكان المميزة، وإرثه الديني والاجتماعي والتاريخي.

وقد يكون خطيرًا أن يتشكل لدى الآخر الزائر تصور خاطئ ومضلل عن هوية المكان، ولكن الأشد خطورة هو أن يؤثر هذا الضغط المتزايد على أهل المكان، فيفقدهم ـ بمرور الوقت وكثرة الضغط ـ إحساسهم بهويتهم وهذا له من النتائج ما لا يُحمد عقباه. وإذا كان الاحتكاك بالآخر والتداخل معه .

ونحن في بلدنا جميلا، فإن الأجمل ـ في رأيي ـ هو أن نظلّ محافظين على هويتنا رغم احتكاكنا به، ووجوده بيننا، فلا نسمح له بالتأثير سلبًا على الأصول الثابتة لنا، حتى لا يأتي يوم نجد أنفسنا نردد ونحن في بلدنا- مع أبي الطيب المتنبي بيته القائل:

ولكن الفتى العربيَّ فيها

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com