الطفل أمانة ومسؤولية وحقوق، هو أمانة والديه ومسؤوليتهما قبل أي جهة أخرى، وأي محاولة لاتهام سابق لأي جهة، كالفضائيات أو الشارع أو المدرسة، إنما هو نوع من التبرؤ من المسؤولية.
واستقالة واضحة من الدور الأكبر للوالدين في حياة أبنائهما، والزج بأطراف أخرى لتكون كبش فداء لإهمالهما أو تهاونهما أو لا مبالاتهما.. وهي عملية مكشوفة وغير مقنعة، وغير ذات جدوى، لأن الأجدى هو الالتفات لهؤلاء الأطفال قبل أن يغرقهم الطوفان!
والطفل كما رآه علماء النفس والفلسفة، حقل أبيض نحلم بأن نراه مليئاً بالورد، ولذا علينا أن نحرثه بالخير كي يثمر الخير، وأن نزرعه بالمحبة كي يمنحنا في الأيام المقبلة براً وانتماءً وولاءً، اما ان يتضافر الجميع ـ آباء وأمهات وإعلاماً ومؤسسات تربية مجتمعية ـ على أن يحرثوه بالقسوة والإهمال والعنف.
ومفاسد الفضائيات ورفاق السوء، ومباذل الشارع والسوق، فإن انتظارنا لثمرة طيبة من حقله سيطول كثيراً، وربما انتهى العمر من دون رؤية تلك الثمرة.. لأن حسابات الحقل خالفت حسابات البيدر!
هذه خلاصة شديدة التركيز لما أراد التنبيه إليه مؤتمر الطفولة الأول الذي نظمته جمعية النهضة النسائية بدبي في الفترة من 19 ـ 21 مارس.
والذي أنهى جلساته مساء الأمس، مركزاً ومشدداً على حقوق الطفل، ودور الأسرة في مجتمع الخليج والإمارات، حيث العولمة اجتياح كاسح لا سبيل لإيقافه، وحيث المال والانفتاح مفاتيح شديدة الخطورة علينا حسن التصرف بها، وحيث للإعلام تأثير شديد الخطورة على تكوين الطفل في ظل انعدام وجود الأسرة رعاية واهتماماً ومتابعة وتوجيهاً!
كنت وأنا أتابع حديث أكثر من أستاذ فاضل من على منصة المؤتمر، وهو يحض ويستفز كوامن الخوف على الأبناء من طوفان العولمة، ومن طوفان المؤثرات الكثيرة، أتذكر طفولة جيل بأكمله أنا أحد أبنائه، جيل كان يفتح عينيه صباحاً على وجه الأم الذي يشبه التلاوة والتسبيح طهراً ووداً.
وعلى صوت الجدة والخالة وعلى هدوء الوالد يقرأ آيات التنزيل فجراً يعطر بها المكان ويرقي بها الصغار، جيل لم يناد منذ الصباح أحداً سوى أمه وجدته وخاله وشقيقته ووالده.. جيل كان يفتح عينيه على لون البحر وحواسه على رائحته.. لا على وجه شغالة فلبينية تكاد تخلع عظامه، وهي تهزه لينهض صباحاً بكل ما أوتيت من تبرم ونقمة!
أي جيل تفتح وعيه على صوت الأم الرضي الحبيب.
ونما حبه لوطنه على حفيف ثوب الجدة تخطو صوب الموقد لإعداد وجبة الفطور اللذيذة، بينما الأم تحرس عيون الصغار من الهواء خوفاً وحناناً.
أين هي طفولة البحر والأصداف ورمال الشاطئ؟ وتلك الأرجل التي تعود ظهراً ملطخة بالرمل والقار لكثرة التجول على الشواطئ؟
من طفولة مسمرة أمام الشاشات وأجهزة الألعاب الالكترونية وأصوات الخادمات اللواتي لا يفعلن شيئاً أكثر من توسيع الشرخ في الدخل لتتكاثر الجزر والأنفاق في نفوس الصغار.. فإذا كبروا فوجئنا بقسوتهم وقلة برّهم.. فهل بررنا بهم صغاراً لنجني برهم في الكبر؟