التطورات والتفاعلات الفوارة، التي ماجت بها الساحة السياسية الفلسطينية بين يدي الانتخابات التشريعية وتوابعها المتلاحقة، كانت من السخونة بحيث صرفت الكثيرين عن الإحساس ببرودة شتاء هذا العام.

وربما نافس هذه الساحة على خطف الأذهان والأبصار ملفات أخرى، بدت ملتهبة على نحو متزامن بالجوار بين الإقليمي والدولي: الملف العراقي الذي يوشك على الانحدار إلى مشارف الحرب الأهلية.

والملف النووي الإيراني المحفوف بمخاطر يصعب التكهن بإشعاعاتها في كل الاتجاهات. والملف اللبناني المنفلت على احتمالات قائمة وتتناوشه الظنون بآفاق ضبابية. وملف الرسوم المسيئة إياها التي نكأت جراحاً، وأثارت قضايا من طبيعة جذرية دينياً وحضارياً بين العالمين الإسلامي والغربي.

على خلفية هذا المناخ المحموم، كدنا ننشغل عن متابعة مجريات الحملة الانتخابية النيابية في إسرائيل، شؤونها وشجونها وقضاياها ومهاتراتها، وما قد يتمخض عنها من نتائج وأحوال تتصل بشؤون الفلسطينيين والعرب والعجم وشجونهم وقضاياهم. هذه ظاهرة غير تقليدية.

إذاً لا سابقة للفتور الفلسطيني والعربي الملحوظ راهناً إزاء الحدث الانتخابي النيابي الإسرائيلي، ولا سيما منذ بداية العمل على مسار التسوية وفقاً لصيغتي مدريد (1991) وأوسلو (1993).

فلطالما تحول هذا الحدث إلى مجال للتناظر الفكري والسياسي في الرحاب الفلسطينية والعربية، الذي تثار في غضونه آراء متضاربة حول جدوى صعود أو هبوط هذه القوة أو الكتلة الإسرائيلية أو تلك، ودلالة هذا الصعود والهبوط على حظوظ سيرورة التسوية مع العرب على هذا المسار أو ذاك. وكانت الترجيحات بهذا الخصوص تنعكس على السياسات الفلسطينية والعربية تجاه المتنافسين في الداخل الإسرائيلي.

وذلك باتخاذ مواقف، أو الوعد باتخاذ مواقف، يفهم منها تصريحاً أو مواربة بأن العواصم العربية، دون استثناء مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله، تميل إلى تزكية فريق أو زعيم بعينهما في ذلك التنافس.

قد تكون الشواغل المزاحمة لبعضها البعض فعلت فعلها في الانحراف عن هذا التقليد. لكن هذا التصور لا يكفي وحده لتفسير الأمر. فالعرب عموماً اعتادوا على تلقي الهموم والبلايا حتى إن تراكمت وتكاثرت عليهم تكاثر الأكلة على قصعتهم! ومن هذا شأنهم، ما كان يضرهم في شيء أن يمارسوا دوراً أثيراً لديهم عرفناه في معظم المواسم الانتخابية الإسرائيلية.

وعليه، نأمل في أن يكون مرد العزوف العربي عن اللهاث وراء أحابيل الداخل الإسرائيلي ومماحكاته في الموسم الحالي، هو القناعة بلا جدوى ولا مأمونية هذا الاتجاه فضلاً عن سخافته.

من الوارد والمعقول أن تكون خبرات الخيبات المتوالية إزاء احتمال خروج مخلص التسوية، فارس السلام القائم على العدل في فلسطين وجوارها من رحم الداخل الإسرائيلي، قد ساقت معظم الفلسطينيين والعرب إلى الإشاحة عن عملية باتوا يعرفون محصلتها مسبقاً.

وربما كانت التحولات شبة الانقلابية في خيارات الناخبين الفلسطينيين أحد تجليات القنوط من الرهان على تحولات الداخل الإسرائيلي، والعمل على اشتقاق أنماط أخرى من النخب والسياسات الذاتية لمواجهة ثوابت الناخبين الإسرائيليين ومرشحيهم.

ويدعونا إلى هذا الاعتقاد أن عهد عملية التسوية كان شاهداً على توالي كل ألوان الطيف السياسي والايديولوجي في إسرائيل على مركز صنع القرارات.

فقد صعد إلى هذا المقام الموصوفون باليمين واليسار والوسط، وما بين هؤلاء جميعاً من قوى رمادية مختلطة. ومع ذلك فإن فئة واحدة من هذه الفئات لم تحد عن لاءات إسرائيل الشهيرة العابرة يقيناً لكل الأحزاب والكتل والحركات والحكومات.

المرجح أن الفلسطينيين أدركوا هذه الحقيقة وهضموا الدرس، فانحازوا إلى جانب القوة التي آنسوا فيها إعادة الاعتبار لثوابتهم الوطنية وصيانتها، غاضين النظر عمن سيعتلي سدة الحكم في تل أبيب.

هذا شيء مطمئن. كونه يعني الاستدراك والتبرؤ من خطأ شاع طويلاً، مفاده انتظار الإفراج عن الحقوق الفلسطينية بمبادرة من لدن نخبة إسرائيلية تهتدي بحكمة ذاتية إلى أن السلام العادل هو الطريق إلى الأمن وليس العكس.

ولعله من المطمئن أكثر وجود مؤثرات على انسياب عدوى هذا الإدراك إلى المحيط العربي، الذي لم يعبأ كثيراً بالانتخابات الإسرائيلية هذه المرة. وحبذا لو وصلت هذه العدوى إلى قمة الخرطوم العتيدة، بحيث تعيد توكيد الثوابت العربية تجاه موضوعة التسوية مع إسرائيل، أقله في حدود مشروع قمة بيروت 2002.

فضلاً عن الملل والحذر من تكرار أسلوب الاتكال على متغيرات السياسة الإسرائيلية، وتعليق زمام التسوية، تقدماً ونكوصاً، بذمة ما يعتمل على الجانب الإسرائيلي من التل، ثمة تفسير رديف للإحجام العربي عن الإفراط في الاهتمام المعهود بالانتخابات الإسرائيلية.

موجزة، أن موازين القوة بين المتنافسين في هذه الانتخابات، المعززة باستطلاعات الرأي، ترجح تماماً استحواذ حزب كاديما على ثقة أغلبية الناخبين.

ولأن أفكار هذا الحزب ورؤاه وبرامجه بخصوص التسوية باتت مطروحة على الملأ، بل وتطرق رؤوس الناس صباح مساء ـ ولعل آخرها اقتحام سجن أريحا بعملية قرصنة في رائعة النهار.

واختطاف زعيم الجبهة الشعبية أحمد سعدات وبعض من معه ـ فإن الفلسطينيين والعرب ليسوا بحاجة إلى انتظار مفاجأة عن هذه الانتخابات، ولا هم معنيون بالمساهمة في صناعة مفاجأة لن تحدث في كل الأحوال.

إنهم يعرفون كاديما وسياسته من سيرة شارون وورثته من دهاقنة التوسع الاستيطاني والجدار العنصري والقتل المستهدف للقيادات الفلسطينية والتوغل في المدن والقرى والنجوع الفلسطينية وتجريف الأراضي وابتلاع ما تبقى من القدس وتكريس الطابع اليهودي للدولة الصهيونية وعزل الفلسطينيين في كانتونات والحلول الأحادية.

وللمفارقة فإن الإسرائيليين هم الذين لا يعرفون هذه المرة النيات الحقيقية لنخبة السلطة الفلسطينية، ويتحرقون لتحقيق اختراق، يسوق حماس إلى التخلي عن ثوابتها والمضي وراءهم في «شارع التسوية الضبابية».

لقد حقق الفلسطينيون مفاجأة استراتيجية في هذه الجولة، حين غيروا مسار خياراتهم وأوشكوا على الشفاء من ذهنية الاستذلال انتظاراً لما تجود به صناديق الاقتراع الإسرائيلية.

وليس بعد هذا التعافي سوى الاجتهاد في تقعيد شراكة فلسطينية عربية قوية، تأخذ زمام المبادأة وتنظر جدياً في كيفية مواجهة منهجية الاستفراد الإسرائيلي، بتحديد ما يجوز وما لا يجوز من خطوات على صعيد التسوية.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

isam997@hotmail.com