أصبح من السائد لدى التحليلات التي تتناول الملف النووي العراقي، خاصة مع تحويله إلى مجلس الأمن القول إن العد التنازلي لضربة عسكرية أميركية لإيران قد بدأ بالفعل، وتنطلق هذه التحليلات من أن السيناريو الذي يدور حاليا هو نفس السيناريو الذي طبق مع العراق.
خاصة وان بعض وسائل الإعلام الغربية، الأميركية خاصة سربت معلومات حول وجود خطط أميركية جاهزة لضرب إيران وأنها تستهدف تغيير النظام. وقد تغير جدول أعمال المراقبين والمحللين وفقا لهذه المعطيات.
ولكن هذه التحليلات السائدة تدور معظمها انطلاقا من معطيات إيرانية أو أميركية، وتستبعد احد أهم المعطيات التي تلعب دورا في السياسة الأميركية الخاصة بإيران وهي العراق.
فالولايات المتحدة تأكدت حاليا من أن إيران حققت مكاسب من العملية العسكرية الأميركية ضد العراق تفوق بكثير ما حققته الولايات المتحدة ذاتها، وتعمل الأخيرة حاليا على تقليص هذه المكاسب الإيرانية، سواء التي تحققت من جراء سقوط نظام معاد لها، أم التي تحققت من جراء سيطرة الشيعة على العملية السياسية في العراق.
وهو ما دفع بعض الأميركيين إلى القول إن النفوذ السياسي الإيراني قد امتد في المنطقة المحيطة بها وفقا لهاتين النتيجتين، وهذا الأمر يعني في داخله أن الولايات المتحدة لم تنتصر بصورة كاملة في حرب العراق بما يغريها بشن حرب أخرى جديدة في المنطقة، وان عليها أن تطبق سياسات تنزع عن إيران مكاسبها التي حققتها بعد سقوط نظام صدام حسين.
ومعظم المهتمين بالوضع العراقي سواء من العرب أم الغربيين أو الأميركيين يدركون أن احد النتائج الأساسية التي تتحقق من جراء عملية عسكرية ضد إيران هو انقلاب شيعة العراق على الولايات المتحدة، خاصة وان القطاع الأكبر من شيعة العراق حتى الآن مازالوا غير معادين للولايات المتحدة .
وبالتالي فإن عملية عسكرية أميركية ضد إيران يمكن أن تتطور لتصبح مواجهة بين شيعة الشرق الأوسط والولايات المتحدة وهو الأمر الذي قد يشعل المنطقة، ويقلل من مكاسب الولايات المتحدة في العراق بما يزيد من مصاعب الإدارة في هذا الشأن.
وإذا كانت هناك قيود تحد من قرار الولايات المتحدة لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، فإن هناك محددات أخرى داخلية أميركية في مقدمتها أن الخريف المقبل سوف يشهد انتخابات التجديد للكونغرس الأميركي، وفي ظل تراجع التأييد الشعبي لما حدث في العراق فلا يمكن الاعتقاد بأن أعضاء الكونجرس الحاليين يمكن أن يعطوا الإدارة تفويضا جديدا بتوجيه ضربة عسكرية جديدة وليس من السهل على نفس الإدارة تأمين تحالف دولي لتوجيه ضربة جديدة ضد إيران.
وفي الوقت نفسه فإن المجتمع الأميركي لا يتحمل ارتفاعا جديدا في أسعار النفط وهو الأمر المتوقع حدوثه في حال نشوب حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط فما بالك لو كانت ضد إيران وهي واحدة من المنتجين الرئيسين له في المنطقة والعالم؟
وإذا كانت المسألة كذلك فما هي أسباب التصعيد الأميركي ضد إيران؟ الإجابة تكمن أيضا في تطورات المسألة العراقية، فحتى الآن وعلى الرغم من مرور ثلاث سنوات على العملية العسكرية الأميركية هناك.
واننا أصبحنا على بعد أسابيع من الذكرى الثالثة لإعلان الرئيس الأميركي عن انتهاء العمليات هناك، مازالت الولايات المتحدة غير قادرة على أحكام سيطرتها الأمنية هناك وغير قادرة على تحقيق استقرار حقيقي في الوقت نفسه، وغير قادرة على ضبط الحدود التي أصبحت موضعا لتسلل أعضاء في تنظيم أبي مصعب الزرقاوي.
وهناك قراءات أميركية تعتقد أن هذه الأهداف غير ممكنة بدون الدعم الإيراني، ولأسباب متعددة يشق على الإدارة الأميركية أن تطلب هذا الدعم، وهي تعرف أن طلب هذا الدعم يعني الاعتراف بأن إيران أصبحت هي الرقم الصعب في كافة معادلات الشرق الأوسط، وهي رمزيا لا تريد الاعتراف بذلك.
ومن هذا المنطلق فقط يمكن القول إنها استدعت الملف النووي الإيراني من على الأرفف من اجل إجبارها على التهدئة وللوصول معها إلى مساومات عبر وسطاء كلها تدور حول الملف العراقي، وهي تعتقد أنها بذلك سوف تجبرها على التهدئة بما يقلل إلى حد كبير من مكاسبها التي حققتها بالفعل في العراق.
ولكن هذا السلاح ذو حدين لأنه قد يدفع إيران بالفعل إلى المزيد من الانخراط في الشأن العراقي كوسيلة لتحجيم الاندفاع الأميركي وكنوع من أنواع الدفاع في مواجهة الهجوم الأميركي، ومن يراقب الأداء الإيراني في الأشهر الماضية سوف يكتشف أنها أعادت مراجعة سياستها في العراق واستعادت مواقع لم يكن احد يتوقع لها ان تستعيدها فهي من جهة وثقت علاقاتها بأطراف سنية.
وأخرى شيعية لكنها مدت علاقات قوية مع تيار مقتدى الصدر الذي يعد الأكثر وجودا وتمردا في الشارع الشيعي، وهذا الأمر قد يكون محاولة من إيران لان تستعد لهجوم أميركي قد تلجأ فيه إلى إشعال العراق في مواجهة القوات الأميركية المتواجدة هناك.
وهذا الخيار الإيراني يعني أن السحر العراقي قد ينقلب على الساحر الأميركي، وتدخل المنطقة في دوامة جديدة من عدم الاستقرار والعنف بسبب سوء التقديرات الأميركية وعدم استعداداتها لرد الفعل المتوقع. وما موافقة إيران مؤخراً على القبول بالحوار مع أميركا حول العراق إلا محاولة لتلافي هذه الدوامة قدر المستطاع، وتخفيف الضغوط الأميركية ضد ملفها النووي.
كاتب مصري
