نشعر أحياناً بأننا ما عدنا نحتمل المآسي لكثرة ما نشاهده منها على شاشات التلفزة، وما عدنا نحتمل سماع الشكاوى لكثرة ما نسمع طيلة النهار، لكننا نادراً ما نسأل أنفسنا، إذا كنا نحن لا نستطيع أو لا نحتمل مجرد الرؤية أو السماع، فما بال أصحاب المأساة أنفسهم، كيف يحتملون وكيف يطيقون.

أجدني مضطرة اليوم بعد هذه المقدمة أن اسرد عليكم وقائع فيلم مأساوي عنوانه «رحلة البحث في صحراء الوظيفة» وبطلته مواطنة إماراتية متزوجة وخريجة جامعية ومحتاجة للوظيفة بشكل كبير وملح جداً جداً.

تقول الحكاية: «في بلاد توظف كل الناس من جهات الدنيا الأربع، ويعتبر المواطن فيها فاكهة نادرة في كل مكان، يمكنك أن تلاقي كل المفارقات، كأن يتقدم للوظيفة الشاغرة مواطن خريج جامعي.

ووافد بالكاد حاصل على دبلوم معهد، فتذهب الوظيفة بسلام للوافد بسبب أصابع خفية تلعب دائماً خلف الستائر وتحت الطاولات، وفهم حضراتكم كفاية ويغني عن الشرح والإطالة!

المواطنة الإماراتية الخريجة تحمل تخصصاً من جامعة الإمارات لعام 2000 في «علوم الأسرة» متزوجة من مواطن خليجي يعمل في وظيفة بسيطة جداً.

ويتقاضى راتباً يقدر بحوالي 2300 عداً ونقداً، تخرجت على أمل الحصول على وظيفة حتى وإن تأخر الأمر، كي تعيل نفسها، لان والدها متقاعد ويتسلم مساعدة شهرية من الشؤون الاجتماعية، وفيما بعد الزواج، كي تساعد زوجها، أخذت دورات في الكمبيوتر وحصلت على الرخصة الدولية، وتقدمت للجهات التالية:

منطقة العين الطبية، الطب الوقائي، غرفة تجارة وصناعة أبوظبي «فرع العين» بعد ان طرح برنامج جواز العمل، وبعد الوعود المعسولة التي قدمت، وبعد اجتياز برنامج تدريبي لمدة 10 شهور، تخرجت منه بمعدل امتياز، ودفعت قيمته ما يقارب الـ 1500 درهم، فإن النتيجة لا شيء بعد مضي 5 سنوات.

فيما بعد، تقدمت لوزارة المالية والصناعة، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية «قبل فصلهما» الخدمة المدنية، منطقة أبوظبي التعليمية، وزارة التربية والتعليم، بعد أن أعلنت الوزارة عن حاجتها لمعلمات علوم أسرة، وحتى بعد أن غيرت الوزارة رأيها وأخبرتها بأنها ستعين على كادر الاخصائيات أو معلمات الحاسب الآلي.. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث!

في إمارة عجمان تقدمت لدائرة الجنسية، وجمعية أم المؤمنين، وشرطة عجمان، كما تقدمت لبلدية الشارقة، وشرطة دبي.. ولا أدري فيما إذا تقدمت للمفوضية الدائمة لشؤون اللاجئين أم لا؟

هناك مسألة يجب التنويه إليها، وقد صارت شائعة بين هؤلاء الباحثين في صحراء الوظيفة من المواطنين والمواطنات، وهي أنهم حين يواجهون هذا الواقع الأليم، وحين يقال لهم مباشرة إن المؤسسات أو الدوائر أو..

لا تريد جامعيين بل تفضل أصحاب شهادات الاعدادية والثانوية لأسباب تعود للميزانية، فإن هؤلاء الشباب من حملة الشهادات العليا غالباً ما يتقدمون للوظائف على أنهم حملة شهادات متوسطة وبرضى خاطر، ملقين بتعب العمر وسنوات الجامعة وأحيانا الماجستير والدكتوراه في أقرب سلة مهملات، لان المهم عندهم الوظيفة وليس الشهادة.

الأخت صاحبة هذه المأساة تقول للجميع من: مجتمع، مسؤولين مخططين حكوميين، مسؤولي برامج التوطين والتوظيف: «أتمنى أن أجد وظيفة مناسبة أستطيع ان أعيش منها ولا يهم بأي شهادة، أريد وظيفة فقط، علماً بأنني مستعدة للعمل في أي مكان وفي أي جهة حكومية في إمارات الدولة» ولا تعليق.

sultan@dmi.gov.ae