هل سيموت سكان الكرة الأرضية عن قريب عطشا؟ أم ضحية الحروب والاقتتال المستمر؟ أم نتيجة الكوارث الطبيعية المتزايدة؟ أم الأمراض الجديدة التي بدأت تحصد الملايين من البشر؟
إن الإنسان في هذا العصر يعيش أزمات حقيقية متتابعة ومتوالدة من بعضها البعض والتي لن تنتهي إلا بنهايته الحتمية. ومع التقدم الصناعي الذي بدأ في القرن الماضي بخطوات متلاحقة وانتشار الثقافة بين البشر لسهولة الاتصال وكثرة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة التي أصبحت في متناول الجميع، إلا أن ما يدعو للدهشة هو سرعة انحدار هذا الإنسان نحو الهاوية المدمرة.
أمران لم تستطع الثقافة العالمية ولا وسائل الإعلام ولا الخبراء ولا حتى استخبارات القوة العظمى أن تجد لهما حلا إلى اليوم: الحروب وشح المياه. فوجود الأولى ينتج عنه الموت الجماعي (وأصبحت حروب اليوم تهلك الزرع والحيوان) ونقص الآخر هو أيضا يؤدي إلى الموت الشامل (بما فيه الحيوان والنبات).
أما الحروب فهي لا تتعدى كونها صراعا يمكن تفاديه حيث أنها إما نتيجة طمع في أرض الآخر أو دفاعا عنها. ولا أحد يعرف سر تلك الغريزة المتأصلة في النفس البشرية إلى القتل وسفك الدماء منذ هابيل.
وقابيل الذي كان أساسه الغيرة ثم تحول إلى طمع للاستيلاء على ممتلكات الغير دون أن يستطيع أحد تحديد من هو صاحب الحق... فكل واحد منهم له الحق في ذلك الحق! وينتهي الأمر إلى الصراع وينتهي الصراع إلى مقتل أحدهما أو كليهما.
وإذا كان لا بد من الحرب، التي قضت على نصف البشرية بمقتل هابيل على يد أخيه قابيل، والتي إذا استمرت في وقتنا الحاضر فإنها ستقتل أيضا نفس النسبة، فإننا لا نجد تبريرا لمحاولة الإنسان تحويل الكرة الأرضية إلى أرض قاحلة تشبه أرض القمر.
ولا نستطيع أن نفسر كيف أن الدول الصناعية المتحضرة تفضل أن تضع حياة مصانعها التي تبث الغازات السامة في الهواء قبل حياة أبنائها! ونحن نعلم أن أكثر من نصف أرباح تلك المصانع يذهب لإنشاء مصانع جديدة أو لصناعة أسلحة جديدة تباع للدول الفقيرة التي تعيش حالة حرب مستمرة مع نفسها ومع جيرانها... وهي لا تجد ما تأكله.
قد نعيش مع الحرب... وقد نعيش أو لا نعيش مع تلوث البيئة... ولكننا بكل تأكيد لن نعيش بدون ماء من ثلاثة إلى سبعة أيام كأقصى حد خاصة في المناطق الحارة! وقد كان يقال سابقا بأن الحروب القادمة (خاصة في منطقة الشرق الأوسط بين إسرائيل وجيرانها الكرماء) ستكون حروب ماء... وحين يجتمع الاثنان: الحرب وندرة الماء فإن الهلاك أصبح أمام أعيننا.
بين 16 و22 من هذا الشهر يلتقي آلاف المشاركين في مكسيكو لأجل الماء: إنه مؤتمر (الماء) العالمي الرابع، تحت رعاية المجلس العالمي للماء ومقره فرنسا وبالتحديد في مدينة مارسيليا والذي ينعقد كل ثلاث سنوات.
تشارك في هذا المؤتمر كافة الشرائح الاجتماعية من مختلف التخصصات: السياسيون والفنيين والخبراء والشركات والمنظمات غير الحكومية. الهدف: دفع قضية الماء في العالم. وبينما نعرف لحظة بلحظة وعبر الأقمار الصناعية.
وعلى الهواء مباشرة عن آخر تفجير وقع في شوارع مدينة بغداد وخلف 164 قتيلا وقيام قوات الاحتلال بمدرعاتها ودباباتها باقتحام سجن أريحا بكل وقاحة وضربها القوانين الدولية بعرض الحائط وأمام صمت العالم المتفرج، في نفس الوقت نجهل بأن هناك في كل مكان:
أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا يوجد أكثر من (مليار) كائن بشري لا يتوفر لهم ماء صالح للشرب أو يقع قريبا من موقعهم وحيث يتوجب المشي أحيانا لأكثر من 30 كيلومترا للوصول إليه وفي أجواء حارة وصعبة... ومصيبة الماء الأخرى تتمثل ليس في صعوبة الحصول عليه فقط .
وإنما في التخلص من مياه الصرف المستهلكة... فهناك 5 ,2 مليار كائن بشري لا يجدون وسيلة للتخلص من هذه المياه! وبالتالي يعيشون في مدن من الأوبئة والأمراض التي تسببها المياه الراكدة. والرقم الأكثر إيلاما هو: 8 ملايين شخص يموتون (سنويا) نتيجة لأمراض تسببها المياه الملوثة.
إن واحدة من هموم الأمم المتحدة المحتضرة هي نفسها ـ إضافة إلى مصائب الحروب والغزو القائم على مزاعم كاذبة والغزو المحتمل لدول تحاول تخصيب اليورانيوم خارج الولايات المتحدة وإسرائيل والاغتيالات بدم بارد واقتحام سجون الدول ذات السيادة.
والتي تقع كلها على رأسها كل يوم ـ هي أن تحل نصف مشكلة المياه حتى عام 2015 فقط نصف عدد (البني آدم ـ دون ماشيتهم ودواجنهم) الذين لا يملكون مورد مياه قريب منهم.
وحسب تقارير الخبراء فإن الأمم المتحدة تحتاج إلى ما بين 5 ,7 إلى 25 مليار يورو (أي ما بين 34 و 113 مليار درهم إماراتي سنوياً ـ وليس سعرا إجماليا) لتحقيق هدفها السابق الذكر. بينما المساعدات التي تقدمها الدول لا تتجاوز الأربعة مليارات يورو.
فهل سيدرج (حق الإنسان في الماء) ضمن حقوق الإنسان الأخرى في دساتير الدول؟ هذا ما يحاول مؤتمر المكسيك العالمي التوصل إليه.
وما يدعونا إلى الاستغراب أكثر فأكثر هو ليس فقط استمرار تقلص المياه على كوكبنا للأسباب التي نعرفها، ولكن أن ترسل الولايات المتحدة الأميركية مركباتها الفضائية التي تكلف مليارات الدولارات إلى بعد مليارات الكيلومترات في الفضاء الخارجي للبحث عن كوكب يحتمل أن توجد عليه سحابة ماء أو سراب ماء..
.. ولا نعرف بعد كيف سنصل إلى كوكب زحل الذي يبعد عن كوكبنا 28 ,1 مليار كيلومتر أي بعد ست سنوات من السفر المتواصل على مركبة (كاسيني) الأميركية لنشرب كأس ماء درجة برودته قد تصل إلى 176 درجة مئوية!
بينما التلوث الصناعي على كوكب الأرض أدى إلى تلوث لا مثيل له في مناطق البحيرات الكبرى التي تقع بين حدود الولايات المتحدة الأميركية وكندا.
إن الولايات الخمس على تلك البحيرات (إيريه ـ هورون ـ متشجان ـ أونتاريو ـ سوبيريور) تحتفظ بما يقارب من 18؟ من المخزون العالمي من المياه العذبة. وعليه سارعت احدى جماعات البيئة بدق ناقوس الخطر!
وفي الجانب الآخر من الكرة الأرضية، دعت فرنسا قبل أيام سكانها من خلال لجنة الجفاف بعدم الإسراف في استهلاك المياه استعدادا على حد قول رئيس اللجنة لسنة جفاف ثالثة تالية.
إن مصائب الكرة الأرضية تتلخص في: الحرب و الماء. وما زلنا نتساءل كيف لهذا الكائن العاقل أن يستخدم كل ذكائه لقتل الآخر من أجل قطعة أرض أو لامتلاك برميل نفط إضافي أو يقوم بتلويث الأرض التي قاتل من أجلها ثم يعود يندب حظه!
جامعة الإمارات
dralabodi@gmail.com