المصائب لا تأتي فرادى، وحصة الإنسان العربي منها تجعله يحتل المرتبة الأولى عالمياً، ويمكن لأي متابع أن يرصد كوارث بالجملة يعيشها الإنسان العربي يومياً، يكفي نظرة واحدة على الصفحة الأولى من أي صحيفة عربية أو موجز أخبار في أي فضائية بالمنطقة كي يدرك المرء أنه لا يوجد تقريباً ما يسر صديقاً وإن كان يفرح بالطبع عدواً.
في يوم الثلاثاء الماضي على سبيل المثال كانت فضائية «الجزيرة» تنقل لنا على الهواء مباشرة وقائع تجسد المهانة التي وصلنا إليها وقوات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم تخرج مناضلي الجبهة الشعبية وعناصر من الشرطة الفلسطينية شبه عرايا بتواطؤ علني وفاجر من أميركا وبريطانيا وصمت عربي رسمي، لم يجد سوى كلمات الشجب والإدانة بعد أن تم اقتياد المناضل أحمد سعدات إلى سجون الاحتلال.
في الفضائيات أيضاً هذا اليوم شأن كل الأيام كان مشهد الجثث العراقية مجهولة الهوية يتكاثر، شهداء لا نعرف أسماءهم، تحولوا لدى كثير منا إلى مجرد أعداد، قوات وقواد الاحتلال صارت خسائرهم تقل بعدما أصبحت الأضواء تسلط بشكل أكثر وضوحاً على الحرب الأهلية الطائفية التي لا تحتاج سوى لإعلان رسمي بأنها موجودة.
في اليوم نفسه كانت فضائية «العربية» التي اعتقدت أن تخصيص بثها الصباحي لأخبار أسهم البورصة أكثر جدوى وجماهيرية من فلسطين والعراق، في هذا اليوم تبين لها أن الكوارث يمكن أن تلحق بأسواق الأسهم أيضاً.
الثلاثاء الأسود لم يكن بسبب بلطجة الاحتلال وعربدته في أريحا، لكنه كان أيضاً بسبب انهيار غالبية البورصات العربية وتسجيلها تراجعاً حاداً جعل الكثيرين يصابون بارتفاع ضغط الدم ونسبة السكر، بل والأزمات القلبية بفعل انخفاض قيمة الأسهم في دول عربية متعددة من مصر إلى السعودية مروراً بالبحرين والإمارات ونهاية بالكويت التي هاجم بعض المساهمين فيها مقر البرلمان.
في هذا اليوم شعرت بتعاطف حاد مع أصحاب الأسهم الصغار، بعضهم أصدقاء ومعارف، وبالتالي فجميعهم فقراء بالتعريف الفعلي للكلمة، هؤلاء اقترضوا من البنوك أو باعوا مجوهرات زوجاتهم أو بعض الأرض والأصول، كي يشتروا أسهماً كانت حتى وقت قريب تحلق عالياً وتحقق من المكاسب الكثير.
المستثمر الكبير هو عملياً لا يخسر في أي هبوط أو تراجع، لأنه استرد أصل رأسماله مرة وربما أكثر عندما كانت البورصة مرتفعة، ثم ان هذا المستثمر الكبير حتى ولو خسر، فلديه أصول أخرى، المشكلة أولاً وأخيراً هي لدى أمثال أصدقائي ومعارفي الذين اكتشفوا فجأة أن كل أحلامهم ذهبت أدراج الرياح.
هم يتحملون جزءاً من المشكلة لأنهم جروا خلف كثير من الأوهام، ولم يطالبوا الحكومات بالتدخل عندما كانت الأرباح متحققة، لكن غالبية الحكومات العربية مسؤولة أولاً وأخيراً عما حدث، السبب انه ينبغي علينا ألا نخدع أنفسنا بحكاية الشفافية والأسواق المفتوحة، ثانياً الجميع يعرف أن مضاربات كثيرة غير حقيقية حدثت ما جعل أسعار بعض الأسهم مبالغاً فيها بنسبة كبيرة.
ثم ان الحكومات العربية نفسها تملك أكثر من 75% من أسهم البورصة الفعلية، وبالتالي فهي اللاعب الأول والأساسي في السوق، ومن ثم فيمكن لنا إن لم نتهمها بالتواطؤ أن نتهمها بسوء الأداء.
البورصات متقلبة في كل العالم نعم، لكنها هناك في الغرب على سبيل المثال يندر أن تشهد مثل هذا التذبذب، وأكثر ما يخشاه المرء أن تكون هناك أياد أجنبية تلعب في كواليس أسواقنا المالية متحالفة مع التخبط وسوء الأداء، الأمر الذي سيتحمله ليس فقط الاقتصاد القومي، ولكن المستثمر الصغير المغلوب على أمره الذي صدق اسطوانة الشفافية، فاكتشف يوم الثلاثاء أنها معتمة.
emadiraqi@yahoo.com