احتفل الكثير من دول العالم في الثامن من مارس بيوم المرأة العالمي، وهو يوم يمثل ذكرى الاحتفال بحركة نسائية قامت بها نساء في الولايات المتحدة من الفئات العاملة في المصانع، واللواتي كن يعشن ظروفاً معيشية قاسية ويعانين من الفقر وسوء المعاملة في أماكن عملهن،

بالتظاهر والمطالبة بتحسين أوضاعهن. وبغض النظر عما إذا كانت تلك المناسبة غربية المنشأ وأنه تم تعميمها على دول العالم في مظهر آخر من مظاهر عولمة الثقافة،

إلا أنه لا ضير في أن يتبادل العالم التجارب الإنساينة ويحتفي ببعضها كشكل من أشكال التضامن الإنساني والاهتمام بقضايا البشر ومعاناتهم، بغض النظر عن الموقع الجغرافي. ولعلنا نطمح مستقبلاً أن يحتفل العالم بمناسبات تأتي من الشرق، وهو المكان الذي يحسب له الاهتمام بروح الإنسانية بشكل أكبر.

من جانب آخر، يشكل الاحتفال بيوم المرأة العالمي مناسبة مهمة للتركيز على القضايا التي تعنى بها وتعاني منها المرأة، وبخاصة في الدول التي تعاني فيها النساء من مظاهر مختلفة من القمع والقهر.

من هنا رأينا أن الاحتفال بيوم المرأة العالمي تراوحت أشكاله ولم يكن فقط في بعض دول العالم مناسبة لإلقاء الخطب الرنانة، والتي ترفع فيها شعارات إدماج المرأة في الحياة العامة والعمل السياسي، بغض النظر عن مدى الاقتناع الفعلي بمثل هذه الشعارات،

وإنما اتخذت هذه المناسبة في بعض الدول لإلقاء الضوء على المعاناة الحقيقية التي تعيشها بعض النساء في دول العالم جراء انتهاك حقوقهن وكرامتهن، بخاصة من قبل الدول التي ترفع شعارات حرية المرأة وإدماج المرأة في العمل السياسي وحقوق الإنسان.

في الفلبين احتفلت النساء بيوم المرأة العالمي في مظاهرة احتجاج على تعرض الكثير منهن للاغتصاب على أيدي الجنود الأميركيين الذين يتواجدون في تلك البلد، ورفعن صوتهن بطلب النظر في تلك الانتهاكات بشكل رمزي تمثل في إغلاق أفواههن بشرائط لاصقة كتعبير عن الصمت والتغاضي عن تلك الانتهاكات من قبل الكثير من مؤسسات حكوماتهم وحكومات العالم.

يذكر أن تاريخ تواجد القوات الأميركية في دول آسيا مدموغ بمثل تلك الممارسات البغيضة والشنيعة في حق النساء، حيث إن ظاهرة اغتصاب الجنود الأميركان لهن ليست بظاهرة عابرة ولا ببسيطة، ولعل فيتنام واحدة من الدول التي عانت من مثل تلك الانتهاكات بشكل قاس وصارخ.

ولأن الاحتفال بيوم المرأة العالمي له صلة مباشرة بالاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في دول العالم، فالأولى بالنساء أن يرسخن هذا التقليد، وأن يكون مثل هذا اليوم، إذا أردن أن يعممنه، مناسبة تتم فيها مراجعة كل أشكال الاضطهاد التي يتعرضن لها.

وأول مظاهر الكشف عن تلك الاضطهادات يجب أن يشمل نساء العراق، فمن حق أولئك النساء، في هذا مثل هذا اليوم أن يرفعن، للرئيس بوش تحديداً، أصواتهن واحتجاجاتهن على ما جلبته لهن «ديمقراطيته» التي تشدق بها في مناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي، ما جلبته من دمار لهن ولأسرهن.

من حق نساء العراق أن يرصدن الأعداد الكبيرة التي قضت نحبها منهن على أيدي قوات «التحرير» الأميركية. ومن حقهن أن يحصين عدد الطبيبات والممرضات العراقيات والدكتورات في مجالات كل العلوم، والمدرسات والعالمات اللواتي قضين نحبهن برصاص الاحتلال أو جرائمه.

من حقهن أن يحصين عدد الفتيات والنساء العراقيات اللواتي تعرضن للاغتصاب منذ بداية الغزو وحتى الآن، أو النساء اللواتي صرن يبعن أجسادهن على قارعة الطريق وفي أماكن أخرى جراء الخراب المادي والنفسي والأخلاقي الذي جاءهم مع ذلك الغزو.

ترى أي ديمقراطية يتحدث عنها الرئيس بوش في مثل هذا اليوم ويتوقع لنساء العالم اللواتي تشردن أو انتهكت حقوقهن أو فقدن الأعزاء لديهن جراءها، أن يصدقن شعاراته، خاصة وأنهن يلمسن بشكل صارخ كيف أنه تم تدويل العنف ضدهن في الكثير من دول العالم جراء السياسات الاستعمارية الجديدة لبلده.

من جانب آخر، الذين يدرسون النتائج الحقيقية للعولمة يعرفون أنها دولت أيضاً، من بين الأشياء التي دولتها، حركة الاتجار بالنساء، وبالذات النساء الفقيرات، وأن العالم لم يشهد ترويجاً للدعارة كما تشهدها فترة العولمة.

يشهد للعولمة أيضاً أنها أدت إلى اتساع رقعة الفقر وزيادة الحرمان وزيادة نسبة غير المتعلمات من النساء جراءها، بجانب الزيادة في الحرمان من برامج الرعاية الصحية، حتى الأولية منها.

صحيح أن هناك دعوات بالتغيير لصالح المرأة في العالم والدعوة لإشراكها السياسي وتصحيح أوضاعها، لكن الصحيح أيضا أن المتعمقين في مثل هذه الأمور يعرفون أنها ليست أكثر من شعارات ترفع لذر الغبار في العيون، عيون العميان أصلاً.

إذ ان الحقيقة أن هذه الشعارات لا تعدو أكثر من خطب جوفاء يراد منها السعي لإحكام القبضة على العالم، لكن بقفازات من حرير.لقد قال المخرج والكاتب السنغالي عثمان سمبين مرة إن الغرب أتى ويأتي إلينا بشعارات مختلفة لتبرير احتلاله.

ففي مرحلة الاستعمار التقليدي كانت الشعارات «تحديث» الدول «المتخلفة» وفي فترة الاستعمار الجديد صارت الشعارات «ديمقراطية النظم» لكن الأهداف، كما يقول سمبين، لم تتغير، وهي جعل بلدان العالم خزانات لثروات الغرب تستنزفها متى وكيف تريد.

المحزن والمثير للقلق أن برامج «الديمقراطية» هذه، والمصبوغة في الغالب بدماء النساء تحديداً، تجد من يروج لها في بلداننا، ومن بين أهلنا، وهذه هي كارثتنا الحقيقية، والتي هي صورة واضحة لمفهوم «الاستعمار الجديد».

جامعة الإمارات