عملية تحليل دم دقيقة تكشف أمراضاً مستعصية داخل الجسد الإنساني، كما تكشف تاريخه وسجله العائلي وسلسلته البشرية التي ينحدر منها، عملية تحليل الدم هذه يمكن أن تجرى للدول والأمم والشعوب، كما تجرى للإنسان حين يشعر بأعراض مرضية يستعصى الاستدلال على طبيعتها وحقيقتها بغير تحليل دم المريض.

تحليل دم دقيق يتوجب على الولايات المتحدة الأميركية أن تجريه لتاريخها وسياستها وثوابتها وسياسييها، كي تتمكن من معالجة المرض الخطير الذي يعيش في جسد هذه الدولة العملاقة، وحتماً سيودي بها، ذات يوم، لأن منطق التاريخ والحضارة يقول ذلك.

وعملية تحليل دم دقيقة للتاريخ الأميركي في سجل حقوق الإنسان، تكشف أن هذه الدولة، بكل عظمتها وقوتها ودستورها العريق وديمقراطيتها الرهيبة، لم تحترم يوماً حقوق الإنسان، خاصة حين يكون ضعيفاً أو مقهوراً أو مهزوماً، سواء كان على أراضيها أو خارج نطاق الأراضي الأميركية.

إنه دائماً منذور ـ من وجهة نظر سياستها الخارجية ـ لخدمة المصالح الأميركية، أما هو فليذهب إلى الهاوية، إلى الموت، إلى الحروب الأهلية، إلى جحيم القنبلة الذرية، إلى جحيم قنابل النابالم والقنابل العنقودية والأسلحة المحرمة دولياً، وإن لم يقبل بذلك فمعتقل غوانتانامو في خدمة الجميع!

ليس غريباً أن يعترض مندوبا الولايات المتحدة وإسرائيل على إنشاء مجلس لحقوق الإنسان تابع للأمم المتحدة، لكن الغريب أن يطوف ممثلوها العالم للتحقق من أن حقوق الإنسان مقرة ومستقرة، الغريب أن تصدر وزارة الخارجية الأميركية تقريراً يدين دولاً لا حصر لها باختراقاتها لمبادئ وأسس حقوق الإنسان بحسب المواثيق والمعاهدات المقرة من قبل المجتمع الدولي،

بينما هي ـ الولايات المتحدة دون غيرها ـ أول من يخترق مبادئ وأسس حقوق الإنسان، والأمثلة عبر التاريخ وعبر الحاضر وعبر المرئي والمنظور أكثر من أن تعد أو تحصى!

المسؤولون الأميركيون يطوفون العالم للتحقق من سير الأمور بشكل سليم، فيما يتعلق بملفات حقوق الإنسان في سجون ومعتقلات مصر والأردن والبحرين والسعودية والمغرب و...،

لكن هؤلاء المسؤولين ـ للأسف ـ غير مطالبين أمام أي أحد بتقديم كشف سليم وموضوعي عن التجاوزات الفاضحة لمبادئ وثوابت حقوق الإنسان في معتقل غوانتانامو، والمعتقلات العراقية، والسجون الأميركية في أفغانستان، والسجون السرية لتعذيب المعتقلين في كثير من دول أوروبا، ناهيك عن أولئك المعتقلين في السجون الأميركية داخل أميركا نفسها!

أميركا تحلل دم العالم لتعطيه شهادة خلو من أمراض الديكتاتورية، فمن سيتبرع بعمل تطوعي لتحليل دم العملاق وإعطائه شهادة دامغة بتفشي هذا المرض في كل خلاياه؟

sultan@dmi.gov.ae