المناظرات شبه العالمية المعقودة بين أهل الرأي والفكر والدعاة من كل الملل والنحل وألوان الطيف الأيديولوجي والسياسي والديني، حول الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وردود أفعالها، تقدم فرصة نادرة لاختبار بعض المقولات والأفكار النمطية بشأن ثقافات الشعوب وميولها ومنظوراتها لحقائق الحياة والموجودات والقيم.
فعند التمعن في مضامين الخطابات المطروحة بين يدي هذه المناظرات، ربما لاحظ المرء عجز الكثير من المعلقين والمتداخلين الغربيين عن تفهم أسباب احتداد المسلمين إزاء الإساءة لنبيهم. لا يتصور هؤلاء المعلقون، ومنهم مختصون في الدراسات الإسلامية، أن تبلغ أصداء الرسوم إياها طور التهديد بحرب حضارية أو دينية ومنح بن لادن وطالبان درجة أعلى من النصرة والصدقية بين عموم المسلمين، البعيدين عن التطرف ووصمة الإرهاب!.
نود القول ان غالبية التعليقات والتعقيبات الصادرة عن غير المسلمين في عالم الغرب، استبعدت من تكييفاتها وحساباتها وتفسيراتها لردود الفعل الإسلامية، النوازع الروحية الدينية العميقة المبثوثة في الصدور والأفئدة.. تلك التي يصعب وربما يستحيل قياسها وسبر أغوارها بالمعايير المنظورة..
هذا في الوقت الذي ربما تكون فيه هذه النوازع هي المسؤول الأول عن السلوكيات والتصرفات الغاضبة بلا حدود التي يأتيها المسلمون في مناسبات بعينها، كالاعتداء على أماكنهم المقدسة أو من باب أولى بكثير تدنيس قرآنهم الكريم والقدح في ذات نبيهم العظيم عليه الصلاة والسلام.
قد يرى البعض أن هذا القصور يعود إلى فجوة معرفية تحول دون الإدراك الغربي الصحيح للثقافة الإسلامية، لاسيما موقع «الروحي والديني» في منظومة هذه الثقافة وبنيتها ومكوناتها الأساسية. لكن مثل هذا التبرير يبدو مفرطاً في حسن النية تجاه بواعث الإساءة للمسلمين في الوقت الراهن.
ذلك لأن الذين اضطلعوا بهذه الفعلة لامسوا عياناً حصاد جنايتهم في جهات الدنيا الأربع، ومع ذلك مضوا قدماً إلى تكرار الإساءة واستجمعوا حولهم محازبين لهم من البيئة الغربية المحيطة، دون اكتراث بهذا الحصاد. بل وسفهوا أحلام العقلاء القلائل، الذين تحدثوا في عواصمهم عن ضرورة مراعاة حدود حرية الرأي والتعبير والتوقف عن التعدي على حرمات الآخرين (المسلمين) ومعتقداتهم.
اللافت للانتباه في هذا المشهد أن المسيئين وتابعيهم بغير إحسان استبعدوا إحالة ثورة المسلمين ضدهم إلى البواعث الروحية والذود عن القيم الدينية الرفيعة. لقد اعتبروا أن هذه الإحالة تمثل تفسيراً ميتافيزيقياً لا ينبغي التعويل عليه. فحقيقة الأمر عندهم أن هناك دوافع أخرى لغضب المسلمين تتصل بحقائق ومعطيات مادية صرفة وأهداف يمكن تبصرها ومعاينتها،
أما الجانب الروحي فهو إما مفتعل أو مستغل. في إطار هذا المنطق، هناك من ذهب إلى أن المتظاهرين في غزة احتجاجاً على الإساءة ليسوا من أنصار« حماس»، وإنما من الرعناء القريبين من «فتح» المهزومة في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة ...
الذين يريدون إحراج حماس والتأكيد على تطرفها وعدم أحقيتها للعون من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة !.. وذهب آخرون إلى الزعم بأن النظام الإيراني برئاسة أحمدى نجاد هو الذي يشجع المحتجين ضد «الغرب»،
من أجل الحفاظ على تأييد شعبي راح يفتقده بعد فشله في الوفاء بوعوده الاقتصادية للفقراء والمعوزين. فقد هربت رؤوس الأموال وتدهورت أسهم البورصة وأحجم المستثمرون عن الخوض في مشروعات جديدة خشية دخول إيران حرباً مع الولايات المتحدة.. فصار لزاماً على نجاد وصحبه إلهاء الإيرانيين عن واقعهم المرير.
ولا يصدق مؤيدو الرسوم المسيئة أن حكام دمشق وطرابلس وطهران بعيدون عن تحريك الشارع الإسلامي بين ظهرانيهم. وذلك لأن النظم في هذه الدول «لا تسمح بفيضان الجماهير إلى الساحات والميادين والصياح الاحتجاجي وصولاً إلى حرق بعض السفارات الغربية بمعزل عن إرادتهم».
الشاهد في كل حال أن المنطق المادي هو الذي تسيد التفسيرات الغربية لالتهاب مشاعر المسلمين. وفى غضون ذلك، لم يفطن أصحاب هذا المنطق إلى ما تنطوي عليه مقاربتهم للقضية من خروق وتهافت، حتى إذا ما قيست بهذا المنطق. من ذلك باقتضاب أن احتجاجات المسلمين تجاوزت عواصم« الدول المارقة» إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي، بما في ذلك القطاعات الإسلامية في عواصم الغرب وربوعه.
كما لا يمكن تبرير غضبة مسلمي بلاد الهند الصينية وجنوب آسيا وروسيا، إلى رغبة نظم هذه البلاد في استغلال القضية لتحقيق مآرب سياسية أو مادية نفعية.. كيف ذلك ومعظم النخب الحاكمة هناك تربطها أواصر صداقة وتعاون وثيق مع عواصم الغرب، ولديها وسائلها في تحصيل هذه المآرب غير إطلاق المسلمين الغاضبين في الشوارع والميادين..
وهو ما يصدق أيضاً على معظم العواصم العربية التي شهدت مظاهر الاحتجاج العاصفة. ترى ما الذي يفسر إذاً موجة انتصار معظم المسلمين بقوة تسونامية لمقدساتهم وصورة نبيهم، غير النوازع الروحية القوية المتمكنة من وجداناتهم القادرة على الانطلاق بعفوية قوية أو حتى بفعل فاعلين في لحظات فارقة؟
وبماذا يفسر تجاهل معظم الغربيين لهذه النوازع والإصرار على تعليق هذه الموجة بذمة عوامل وأسباب مادية الطابع والطبيعة؟ هل نحن إزاء مشهدين يعيدان للذاكرة المقولة النمطية التي طالما رددها البعض حول« روحانية الشرق مقابل مادية الغرب»؟ لا يستقيم جدلاً ولا هو من المقبول موضوعياً تصنيف الخلق بهذه الحيثية المتعسفة في تعميمها. لكن الظاهر أن أصحاب هذه المقولة لم يطلقوها عفو الخاطر حتى وإن كانت عرضة للنقض والتفنيد.
كاتب وأكاديمي فلسطيني