الجنرال المختفي أو الجنرال المستتر، كما تعرفه أدبيات السياسة في الغرب، هو ذلك العنصر غير المنظور وأحيانا غير المنتظر (بفتح الظاء) الذي يتدخل في لحظة أخيرة أو في غمار ملابسات الأحداث لكي ينحرف بها عن مسارها أو ليحقق ما يصطلح عليه علماء الاستراتيجية السياسية أو العسكرية باسم «قانون النتائج غير المتوقعة».

أشهر هذا الصنف من الجنرالات هو الذي واجهته حملة نابليون الشهيرة على أراضي روسيا في عام 1812: عبرت قوات الغازي الفرنسي جبال الأورال.. تسندها وتسبقها سمعة الانتصارات المدوية التي حققها بونابرت في أسبانيا وإيطاليا وفي سهول وسط أوروبا (معركة أوسترلتز التي انكسرت فيها بروسيا الألمانية أمام جيوش نابليون).. لكن الانسحاق المدمر..

الهزيمة المريرة جاءت هذه المرة من نصيب بونابرت وجحافله. وبعدها اجمع المحللون والمؤرخون على أن سبب الهزيمة الحقيقي هو الطقس الروسي السيبيري القارس البرودة إلى حد رهيب وهو ما لم يتحمله جنود فرنسا ولا أفادت إزاءه عبقرية نابليون.. بعدها أطلقوا على سبب الهزيمة الوصف الشهير وهو:.. الجنرال.. شتاء.

بنفس المقياس يمكن للمحلل السياسي أن يقرأ مغزى التطورات التي تعتري أحداث عالمنا الراهن.. فقد نقول أن سبب العنف الفلسطيني هو «الجنرال إرهاب» الإسرائيلي، وأن سبب تذمر الشعوب وتفشي حالات الرفض والإحباط والتطرف يكمن وراءها عنصر أشد خبثا وفتكا قد يحمل، بدوره، اسم «الجنرال فساد»®. وهكذا.

هذا هو المنهج الذي اتبعناه ونحن نتابع ونحاول قراءة أحداث أميركا اللاتينية في الماضي وفي الحاضر استشرافا للمستقبل التي تعيشه تلك القارة التي يكاد الكثير من أحوالها وظروفها يماثل الكثير من ظروف وأحوال ربوعنا العربية السعيدة.

في الماضي البعيد (آخر الخمسينات) أدّي فساد نظام باتستا في أميركا الوسطى وعمالته السافرة للدوائر الأميركية إلى نجاح ثورة كاسترو وجيفارا ورفاقهما وإلى تحويل جزيرة كوبا إلى موئل ومركز للتطرف اليساري حتى كتابه هذه السطور.

في الماضي القريب أدى فساد نظام سوموزا الديكتاتوري الدموي إلى نجاح انتفاضة أورتيجا ورفاقه التي حملت اسم الساندانيستا في نيكاراغوا وكان أن انتقل هذا التأثير اليساري إلى أقطار أخرى في أميركا الوسطى ـ الكاريبية وفي أنحاء شتى من أميركا الجنوبية ـ اللاتينية.. ومنها كما أصبح معروفا البرازيل وبوليفيا.

وجاء الدور على تشيلي وهي أمة يصفها المراقبون السياسيون الأميركيون بأنها أكثر بلدان أميركا الجنوبية محافظة وأشدها تمسكا بالأعراف والتقاليد.. حلّ توقيت هذا الدور في شهر يناير من العام الحالي..

يومها عقدوا الانتخابات الرئاسية ويومها راهن كثير من أهل الحكم والسياسة في الولايات المتحدة بالذات على نجاح شخصيات محافظة أو يمينية كي تتسلم مقاليد الحكم في العاصمة سنتياغو لكي تسيّر دفة هذا البلد اللاتيني الغني بموارده المعدنية (النحاس بالذات) إلى جادة الاعتدال والعلاقات الودية مع واشنطن - بالأدق مع مصالحها ورؤوس أموالها.

لكن حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر كما يقول إخواننا اللبنانيون.

لم تأت الرياح في تشيلي على نحو ما كانت تشتهي سفن الانتخابات.. جاءت بسيدة.. لها توجهات يسارية وعقيدة اشتراكية، ورغبة في تصفية ماض شديد البغض إلى أفئدة الناس في تشيلي وربما في أنحاء شتى من العالم.

والسبب هو جنرال آخر عرفته شيلي وتسامع بحكايته عالم الربع الأخير من القرن العشرين.

لكنه لم يكن جنرالا معنويا ولا رمزيا مثل رفاق دفعته.. الجنرال شتاء أو الجنرال فساد أو الجنرال إرهاب.

كان جنرالا من شحم ولحم اسمه أوغستو بينوشيه.. قاد انقلابا عسكريا ضد نظام الحكم في بلاده عام 1972 وأدى الانقلاب إلى مصرع رئيسها المنتخب ديمقراطيا سلفادور الليندي على شرفات القصر الرئاسي في سانتياغو ومن ثم فرض الجنرال بينوشيه حكما ديكتاتوريا استبداديا ودمويا غاشما ظلوا يعالجون آثاره ويداوون عقابيله حتى بدايات القرن الحادي والعشرين.

لا عجب إذن أن تؤدي هذه التركة الفادحة من الاستبداد وإرهاب الدولة وحكم اليمين المستند إلى دبابة العسكر إلى أن يرفض الناخبون في تشيلي هذا كله ويختارون مع مطلع عامنا الحالي الدكتورة ميشيل باشيليه.. طبيبة الأطفال التي تعدت الخمسين بأربع سنوات رئيسة جديدة للبلاد.

كان هؤلاء الناخبون، ولا سيما المشتغلين منهم بالشأن العام، قد طالعوا كتابا منشورا في العام الماضي وحمل عنوانا ذاتي الدلالة يقول فيه.. «الحلم التشيلي: المجتمع والأسرة والأمة».

وفي هذا الكتاب تنبأ المؤلف - عالم الاجتماع المرموق «إيجنيو تيروني» بأن الطريق صار ممهدا أمام بلاده وربما أمام قارة أميركا اللاتينية لكي تنتهج مسار نوع جديد من الاشتراكية.. بعيدا بالطبع عن الماركسية أو الشيوعية التي شهدتها أقطار شتى من عالم القرن الماضي:

إنها أقرب إلى التحولات الثقافية التي تستند أولا إلى الانفتاح الاقتصادي وإلى الليبرالية السياسية والتصميم على إقرار الحد الأدنى من العدل الاجتماعي الذي يوائم بين تحررية الفرد ومصالح الجماعة في إطار المزيد من التسامح بين سائر الفئات والطبقات.

الكاتب الأميركي «لاري روتر» يشير في رسالة صحافية بعث بها من تشيلي ونشرتها على صفحة كاملة جريدة نيويورك تايمر (عدد 8/3/2006) إلى أن تسلم الرئيسة ميشيل باشيلية مهامها الرئاسية في سانتياغو يوم السبت 11 مارس الحالي سيأتي أقرب إلى علامة فارقة في تاريخ البلاد وربما في تطور أميركا اللاتينية السياسي..

إنها سوف تحكم أجيالا عديدة تتطلع إلى آفاق مغايرة تماما.. لا هم سمعوا عن اشتراكية الليندي التعبوية ولا عن أساليب بينوشيه الإرهابية.. أكثر من نصف السكان هناك وعددهم 15 مليون نسمة يتطلعون إلى مستقبل جديد تحت جناحين متقابلين ومتوازيين هما الحرية والعدل.

كاتب مصري