لنتأمل هذه الحالة، في إحدى المؤسسات الاتحادية، وفي القسم الفني التنفيذي تحديداً، حيث تمر المناقصات والمزايدات، وتحدد الشروط والمواصفات.

ويتم الاشراف على تنفيذ المشاريع المتعاقد عليها بين الهيئة وأطراف خارجية «شركات مقاولات، مكاتب خدمات، مؤسسات صيانة.. الخ» يوجد مهندسون ومراقبون ورئيس قسم، العدد الأكبر من الموظفين ليسوا مواطنين، بينما رئيسهم المواطن لا علاقة له بطبيعة عمل القسم الفنية من حيث التخصص على الأقل!

على هذا القسم تمر المشاريع والمناقصات ومبالغ الضمان و..، ولكي تتمكن أي شركة من اتمام المشروع المتفق عليه مع المؤسسة وفق الشروط والمواصفات الواردة في العقد، فإن عليها ان تلاقي الأمرين لكثرة الأخطاء والتجاوزات المسجلة والمثبتة على المؤسسة والقسم معاً.

ثم عليها ان تتخطى مشكلات إدارية معلقة ومتراكمة لا يمكن تنفيذ العمل بالعقد إلا بعد حلها، فإذا حلت كانت مدة العقد قد انتهت، وبمزيد من العراقيل التي يضعها موظفو القسم الذين يتوجب على الشركة مراعاتهم بالهدايا والعطاءات، تكون النتيجة خسارة الشركة لعملها ولمبلغ الضمان معاً!

الآن لنسأل: بأي حق تحمل الشركة أوزاراً ومشكلات متراكمة على المؤسسة أو على القسم الفني فيها؟ وبأي حق تخسر عقدها بعد انتهاء المدة من دون تنفيذ عمل، خاصة اذا كان التنفيذ غير ممكن في ظل وجود تلك الإشكاليات المتراكمة؟ ومن قال إن على شركات الصيانة الخارجية حل تلك المشكلات؟

ثم أين يذهب مبلغ الضمان وقيمة المناقصة فيما بعد حين يأتي الموظفون بشركات ومكاتب صغيرة بمعرفتهم تكمل العمل وفق سياسة تقاسم الأرباح؟ وما حكاية الاتاوات التي يجب ان تدفع للموظفين التنفيذيين ليسير العمل من دون افتعال مشكلات للشركة؟

هذه حالة من حالات كثيرة تولد أسئلة أكثر. هؤلاء الموظفون الذين يرتكبون هذا الشكل من الفساد، من المسؤول عن تركهم يعيثون فساداً مشوهين صورة مؤسساتنا ومن ثم صورة الدولة كلها؟ وفيما اذا قدمت أدلة على تجاوزاتهم لرؤسائهم.

ولم يتخذ أي إجراء ضدهم، بل بالعكس يبقون هم وتحارب الجهات المتضررة، في هذه الحالة ما هي مسؤولية أولئك الرؤساء؟ والسؤال الأهم هو: هل تتوافر في رؤسائهم شروط الإدارة السليمة علماً وتخصصاً ومراقبة و.. الخ؟

كيف يتولى شخص غير اختصاصي في الأمور الهندسية والفنية، وغير ملم أو محترف أموراً فنية ذات حساسية، ومن الممكن التلاعب فيها في ظل عدم الفهم والمراقبة من قبل الرؤساء؟ وتطول الأسئلة حتى تبلغ عنان السماء!

أريد أن أؤكد ان الفساد لا يأتي من الفراغ، ولا يدخل علينا من النوافذ، انه ينمو كفيروس خبيث من داخل المؤسسات، تغذيه تربية صالحة تناسبه، ويعتني به أشخاص يرعونه ويحرسونه بكل الوسائل، لأنهم مستفيدون منه.

هؤلاء يجب ضربهم بيد من حديد، وبلا رحمة، كي نقول بشفافية إن لدينا جهوداً حقيقية للخلاص من الفساد، وإن هذه الجهود ستثمر واقعاً نظيفاً خلال الفترة المقبلة!

sultan@dmi.gov.ae