كان لدى الدكتور مارتن لوثر كينغ حلم، لكنه لم يكن حالماً كان خطيباً مفوهاً، لكنه لم يكن مجرد متكلم ثرثار، كان يعظ بنبذ العنف وإظهار الاحترام، لكنه لم يكن خنوعاً في وجه الظلم.

ولذلك جاء الهجوم اليميني على قداس جنازة كوريتا سكوت كينغ في غير موضعه، فلقد هبت الجوقة اليمينية تشجب جهاراً الرئيس السابق جيمي كارتر والقس جوزيف لاوري لتعمدهما اقحام السياسة في الجنازة واستخدامها كمنصة لانتقاد سياسات الرئيس بوش ضمنياً لكن بشكل واضح.

وقد وصف الكاتب الصحافي المحافظ ميتشل مالكن تعليقاتهما بأنها «شريرة» بينما اعتبرها المعلق التلفزيوني سين هانيتي «غير لائقة» ومصممة «لإحراج الرئيس».

أما المعلق الإذاعي المحافظ المعروف راش ليمبو، فقد امتلك الجرأة على الإشارة الى انه على يقين بأن كوريتا وزوجها الدكتور كينغ كانا سيغضبان من هذه التصريحات، كيف يجرؤ أحد على قول شيء يربك رئيس الولايات المتحدة، الذي جلس في منصة الوعظ خلال القداس ليضمن لنفسه أكبر وقت ممكن من الظهور أمام الكاميرا.

وقال القس لاوري خلال القداس: «نحن نعلم الآن انه لم تكن هناك أسلحة دمار شامل «في العراق»®. وكوريتا كانت تعلم ونحن كنا نعلم أنه يوجد أسلحة تضليل شامل هنا.. حيث يوجد الملايين بدون تأمين صحي. الفقر آخذ بالازدياد. المليارات تنفق على الحروب ولا شيء للفقراء.

والرئيس كارتر استحضر صورة الألم الذي عانى منه الدكتور كينغ من جراء تعرضه للتجسس والتنصت غير القانوني من قبل الـ «اف بي آي».

حين حشد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي إدجار هوفر، الذي كان يكره كينغ كرهاً شديداً، طاقات وكالته ضد ناشطي الحقوق المدنية، موفراً الحماية لأولئك الذين كانوا يعاملونهم بوحشية ومستخدماً، التجسس غير القانوني في محاولة للضغط على كينغ لدفعه للانتحار.

المعنى من قداس الجنازة هو تقدير وإجلال حياة ونضال الشخص المتوفى وليس من شأن أحد ان يضفي التعديلات على قداس موسى مراعاة لشعور فرعون.

وكلمات القس لاوري والرئيس كارتر عبرت بشكل مباشر عن التقدير للدكتور كينغ وكوريتا سكوت كينغ. واستعدادهما لإزعاج بوش جاء منسجماً مع إخلاصهما لتعاليم البطلة التي ينعونها. فالدكتور كينغ هو الذي علمنا استخدام المناسبات لتحدي أولئك الذين كانوا يناصرون الظلم بأعمالهم أو بتواطئهم.

وعلى سبيل المثال، فبعد أسبوعين من خطابه الشهير في مسيرة واشنطن في سبتمبر 1963، ألقى الدكتور كينغ خطاباً تأبينياً في جنازة أربع فتيات صغيرات قتلن في جريمة تفجير كنيسة بيرمنغهام، وترك موتهن جرحاً عميقاً في الدكتور كينغ وكوريتا سكوت كينغ وناشطي الحقوق المدنية، وكان هؤلاء يدركون حجم المخاطر.

ويعرفون انهم يعرضون حياتهم للخطر ويشجعون الآخرين على فعل الشيء نفسه، وكان أسهل على المرء بكثير ان يكتفي بالكلام الطنان الكبير من أن يشترك فعلياً في الاحتجاجات غير العنيفة، وعندما تم تفجير الكنيسة وقتلت الفتيات البريئات اكتوت أفئدتهم بالحزن.

الدكتور كينغ شعر بالأسى شخصياً. تحمل المسؤولية. وفي قداس الجنازة ألقى كلمة لا تنسى تقديراً لتلك الأرواح البريئة. عبر عن مواساته العميقة لعوائلهم المفجوعة. لكنه أيضاً استحضر بالأطفال القتلى لتحدي الأقوياء والمرتاحين، وقال كينغ يومها: «أنهن بطلات شهيدات .. ولديهن ما يقلنه لكل قس بقي صامتاً وراء نوافذ الأمن الملطخة.

وأضاف «لديهن ما يقلنه لكل سياسي غذى ناخبيه على خبز الكراهية المتعفن ولحم العنصرية الفاسدة. لديهن شيئاً يقلنه لحكومة فيدرالية تساهلت مع الممارسات غير الديمقراطية في الجنوب والنفاق الصارخ للجمهوريين اليمينيين في الشمال»، لديهن شيئاً يقلنه لكل زنجي قبل خانعاً بنظام الفصل العنصري الآثم ووقف على الهامش في صراع قوي من أجل العدالة».

وهكذا فإن الرئيس كارتر والقسّ لاوري، بكلامهما الذي أربك الرئيس بوش والأعضاء المتنفذين في الأبرشية، كانا في حقيقة الأمر يعبران عن تقديرهما لمسيرة كوريتا سكوت كينغ وزوجها الدكتور كينغ.

اختار الرئيس بوش المجيء إلى الجنازة، لكنه وقف على الجانب الآخر من التاريخ المعاكس للجانب الذي وقف عليه الدكتور كينغ وكوريتا. لقد عارضت كوريتا سكوت الحرب في العراق، وشجبت الأولويات اللاأخلاقية لهذه الإدارة.

وعاد الرئيس بوش من قداس الجنازة مباشرة ليقر ميزانية فيدرالية تهكمت على ذكرى الدكتور كينغ وكوريتا. أكثر من 500 مليار دولار ـ نصف تريليون دولار ـ للبنتاغون، بما في ذلك مئة مليار للعراق، المزيد من التخفيضات الضريبية للأغنياء.

بينما ترفع الميزانية تكاليف الرعاية الصحية على الفقراء والمسنين وتقلص مساعدات التدفئة وترفع تكلفة قروض الطلاب. لا يستطيع أحد التعبير عن تقديره لذكرى كوريتا كينغ دون ان يتحدى الأولويات اللاأخلاقية لهذا الرئيس.

ويريد اليمين المنظم في أميركا الآن تحويل الدكتور كينغ وكوريتا من مناضلين من أجل الحرية إلى تماثيل. فهم ينظرون إلى الأسرة الإنسانية من ثقب الباب وليس من الباب، ويستخدمون الدين لتبرير التخفيضات الضريبية الممنوحة للأثرياء وتقليص فرص العمل والمزايا الوظيفية للعمال الفقراء.

ان الرسالة الأساسية للسيد، المسيح والدكتور كينغ ترددت أصداؤها بقوة في الآراء التي عبر عنها الدكتور لاوري والرئيس كارتر. فلقد كانت رسالة السيد المسيح (عليه السلام) أهمية مداواة القلوب المنكرة والدفاع عن الفقراء ومساعدة الفقراء وتحرير الأسرى.

وبسبب اعتناق هذه الرؤى نفسها تعرضت عائلة كينغ للمطاردة من ـ الـ «إف بي آي» و الـ «سي آي إيه». لقد كان كينغ وزوجته مهندسين ثوريين صمما أميركا الجديدة ـ أميركا الخيمة الواحدة الكبيرة ـ ولهذا تعرضا للمطاردة في حياتهما وحظيا بالتمجيد في موتهما. لدينا ميل عام لتمجيد الموتى ودفن الأحياء. وهذان المناضلان من أجل الحرية لا ينبغي اختزالهما إلى مجرد تمثالين وتسمية الشوارع باسميهما.

هناك أشخاص يريدون فصل الصورة المجملة لهذين العملاقين عن ناشطي الحقوق المدنية الذين وقف كينغ على اكتافهم. يريدون محو حقيقة ان الرئيس بوش كان ولا يزال يقف على الجانب المضاد لحقوق الإنسان وللنضال الذي قاده الدكتور كينغ وكوريتا في سبيل العدالة في أميركا. من حق الرئيس أن يكون على ذلك الجانب من التاريخ.

لكن ليس من حقه أن يكون ذئباً في ثوب حمل وديع، ويتظاهر بدعم النضال من أجل الحقوق المدنية وحقوق الإنسان الذي عاشته عائلة كينغ.وما قاله القسّ لاوري والرئيس كارتر كان كفيلاً بجعل قداس الجنازة يخترق تلك الكذبة.

الدكتور لاوري والرئيس كارتر جلبا الوضوح إلى مواضع الغموض التي أريد لها تحريف التاريخ.وما كان لأحد أن يقدم هدية لروح كوريتا ومارتن لوثر كينغ أعظم من هدية مناصرة مبادئ العدالة.

خدمة لوس انجلوس تايمز ـ خاص ل«البيان»