يستكمل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الشهر المقبل العامين الأولين من ولايته الرئاسية الثانية، وهذا الأمر فتح الباب للنقاش الداخلي حول ما حققه خلال سبع سنوات من حكمه على صعيد إنهاء العنف.

أو على الأقل ما حققه خلال ست سنوات على تطبيق قانون الوئام الوطني الذي تم تطبيقه بعد مجيئه إلى الحكم بأقل من عام، وبدأ منذ شهور في تطبيق المرحلة الثانية منه، وقد برزت آراء متعددة حول جردة حساب بوتفليقة خاصة .

وان ما أصابه من وعكة صحية في الخريف الماضي وما نتج عنها من غياب له للعلاج في باريس فتح الباب للحديث حول مستقبل برنامجه للمصالحة الوطنية التي لم تتحقق حتى الآن على الرغم من تخلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ عن العنف، وعلى الرغم من عودة الاستقرار النسبي للحياة السياسية، وما تواجهه الجماعتان المنفذتان للعنف من مأزق داخلي وهما:

«الجماعة الإسلامية المسلحة» و«الجماعة السلفية للدعوة والقتال». وبالتالي هناك هدوء ظاهري واستقرار نسبي فهل تحقق ذلك نتيجة لبرنامج الرئيس أم لأسباب أخرى؟

الإجابة عن هذا التساؤل ليست بسيطة، ولكن هناك أسباباً يمكن القول إنها مساعدة أسهمت في النتائج التي تحققت على الأرض حتى الآن. ولكن قبل الحديث عن هذه الأسباب لابد من الإشارة إلى أن الأزمة التي شهدتها الجزائر منذ بداية التسعينات وحتى الآن وان كانت مركبة ومتعددة الأسباب والمظاهر .

ويقف على رأس أسبابها الاستقطاب الثقافي الحاد الذي شهده المجتمع الجزائري منذ منتصف الثمانينات وحتى بداية الأزمة، فهي في نفس الوقت حسبما أشار أكثر من باحث مهتم كانت أزمة في شرعية النظام الذي قام منذ الاستقلال.

واكتسب شرعيته من خلال تحقيقه للحد الأدنى من المطالب الاقتصادية للسكان، ولكن تراجع أسعار النفط في منتصف الثمانينات لم يمكنه من الاستمرار في ذلك.

وهو ما فتح الباب أمام جبهة الإنقاذ لتستفيد من الوضع المتأزم، وبالتالي فإن احد مظاهر الهدوء الحادث حاليا في الجزائر يرجع في بعض جوانبه إلى ما حدث من ارتفاع في أسعار النفط والغاز الطبيعي بما مكن الدولة في عهد بوتفليقة من العودة للعقد الاجتماعي السابق وبالتالي تقوية شرعيتها لدى مواطنيها.

يضاف إلى ما سبق أن احد العوامل الرئيسية التي لعبت دورا في نجاح برنامج الرئيس بوتفليقة، هي نجاح الجناح الأمني لهذا البرنامج والخاص بالمواجهة الأمنية لجماعات العنف.

وهذا الأمر ساعد عليه أن الولايات المتحدة وأوروبا ساعدت الجزائر بصورة مكثفة في هذه المواجهة لأن القيادات الأمنية الجزائرية نجحت في إقناع الطرفين بأن مواجهتها للجماعتين الممارستين للعنف تدخل في إطار حرب هذين الطرفين ضد الإرهاب.

وقد استطاعت الجزائر أن تحصل على معونات عسكرية وأخرى لوجستية من الولايات المتحدة تحديدا وقامت معها بمناورات مشتركة في هذا الأمر بما ساعد على تحجيم دور الجماعتين اللتين اعتبرتا إرهابيتين من قبل الطرفين الأوروبي والأميركي باعتبارهما ذواتا صلة مع تنظيم القاعدة الإسلامي.

وقد وفر هذا الأمر جهدا ومالاً في المواجهة الأمنية للازمة الداخلية، وهذه الأمور تعني أن ما تحقق على الأرض من نجاحات لا ترجع بالأساس إلى برنامج الرئيس فقط بقدر ما ترجع إلى عوامل مساعدة خارجية أو اقتصادية.

وهناك من يرى أن الرئيس خلال الفترة المتبقية سيواجه تحديات أخرى، خاصة وان علاقته بالمؤسسة العسكرية ليست على ما يرام وهو ما يعني ان هذه الأخيرة لن تتخلى عن دورها بسهولة في المرحلة المقبلة.

وهي تبحث عن بديل تستعيد معه دورها المفقود، خاصة وان بوتفليقة لجأ إلى الشعب مباشرة في خطواته الإصلاحية بما أعطى شرعية لهذه الإصلاحات. وهذا الموقف يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل المصالحة الوطنية في الفترة المقبلة وهل تنتكس في ظل هذا الوضع؟

والذي يدفعنا لطرح هذا السؤال هو أن مبادرة المصالحة الوطنية، لم تكن نتاجاً لتوافق آراء داخل الحزب السياسي الرئيسي في الجزائر أي جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب نفسه الذي ينتمي إليه الرئيس وإنما صدرت المبادرات وكأنها تعبر عن إرادة فوقية، وهو الأمر الذي حرم برنامج الرئيس من قاعدة سياسية مستقرة تحميه.

وأكثر ما يخشاه المراقبون هو أن يؤدي مرض الرئيس ومضاعفاته المحتملة مستقبلاً إلى عودة الفوضى إلى داخل جبهة التحرير الوطنية مرة أخرى، وهو الأمر الذي يعيد الفوضى إلى النظام السياسي الجزائري برمته على أساس أن استقرار هذا الحزب يحفظ للنظام السياسي الجزائري توازنه، ويحول دون عودة الاستقطاب الحاد إليه مرة أخرى.

على الجانب الآخر هناك داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ من يرى أن وجود الرئيس بوتفليقة وتحكمه في السلطة التنفيذية أفضل ضمان لتطبيق برنامجه، وبالتالي فإن غياب الرئيس أو عدم استطاعته القبض على مقاليد الأمور بصورة واضحة، سيفتح الباب للنكوص على هذا البرنامج.

وهذا التحليل يعني أن هناك فرصاً لأن تحدث صراعات داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ حول البرنامج وحول صور التعامل مع التطورات التي يمكن أن تشهدها الجزائر، وهذه الصراعات قد تعطي للجناح المتشدد داخل الجبهة الفرصة لإعادة السيطرة عليها مرة أخرى بما يعني تهميش جناح الاعتدال وعدم استطاعته التحكم في قرارات الجبهة،.

وهناك من يعتقد أن الأمور داخل الجبهة مهيأة لهذا السيناريو في ظل معطيات متعددة في مقدمتها أن برنامج الرئيس وإن كان فتح الباب أمام اندماج عناصر الجبهة في المجتمع، إلا أنه حرم قياداتها من أية مزايا سياسية أو اجتماعية.

وهم قبلوا بهذا الوضع لأنه لم يكن هناك بديل متاح أمامهم، أما في حال ضعف سلطة الرئيس أو غيابه، فإنه لابد من اتخاذ إجراءات للدفع إلى الأمام لتحقيق أحد هدفين:

الأول إجبار السلطة على إعلان تمسكها ببرنامج المصالحة الوطنية وهذا هو هدف الحد الأدنى.

أما هدف الحد الأقصى، فهو الحصول على مكاسب أفضل مما هو متاح في الوقت الراهن مثل السماح للجبهة بتشكيل حزب سياسي، وإعطاء قيادتها حرية في الحركة والاتصال بالكوادر وهي أمور غائبة حتى الآن.

من كل هذه المعطيات، فإن الرئيس في ظل الوضع الراهن أصبح عليه أن يبدأ في تطبيق سياسات تحول مبادراته إلى مطلب سياسي واجتماعي لكي يزيل المخاوف الحقيقية عليها وحتى لا تكرر مرة أخرى في ظروف مستجدة وحتى يصبح المجتمع الجزائري آمناً على مستقبله.

كاتب مصري