السياسة التي اعتمدت عليها بريطانيا (العظمى آنذاك) في تثبيت قواعدها الاستعمارية في كل مكان من العالم، كانت تتلخص في كلمتين لا أكثر: «فرق.... تسد»! وقد اشتهرت بريطانيا بهاتين الكلمتين إلى درجة أنهما أصبحتا مرتبطتين باسم بريطانيا.
وفي حقيقة الأمر، نجحت هذه السياسة في تحقيق مآربها الاستعمارية دون الحاجة إلى الأساطيل وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من الأسلحة الفتاكة المتطورة كتلك التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية مثلا في حربها على طالبان في أفغانستان أوفي احتلال العراق.
وهكذا حققت بريطانيا ما كانت تطمح إليه دون أن تريق قطرة دم واحدة من جنودها، حيث تكفلت الطوائف من نفس الدين واللغة بتمهيد الأرض للمستعمر من خلال تقديم أرواحها فداء للمحتل وللمحتال.
والطريقة الوحيدة لإثبات تلك التضحية كانت من خلال الاقتتال فيما بين تلك الطوائف والمذاهب لأتفه الأسباب، تماما كما كانت العرب تقتتل في الجاهلية أربعين سنة لتثأر لناقة!
ورغم أن سياسة «فرق ... تسد» واضحة وضوح الشمس، ولم تحاول بريطانيا أن تخفيها أو تتنصل منها، بل أعلنتها صراحة، إلا أن تلك اللعبة قد (مشت) بكل بساطة على من استخدمت ضدهم وما زالت (تمشي) عليهم إلى يومنا هذا.
وحيث أنها سياسة لا تكلف شيئا، ونجاحها مضمون أكثر من شن الحروب غير المأمونة العواقب، فقد استمر تطبيقها منذ القرون الماضية مع بداية الاستعمار حتى وقتنا الحاضر.
أما تطبيقها في وقتنا الحاضر فهو سهل جدا ولا يكلف أكثر من بضعة دولارات ويتلخص في الآتي:
(1) قراءة كتاب واحد فقط يحكي تاريخ المناطق التي نريد الاستمرار في استعمارها أو احتلالها والبحث عن النقاط الحساسة في علاقات الأفراد فيما بينهم.
(2) تجنيد بعض المرتزقة الذين أصبحت أعدادهم تتزايد يوما بعد يوم نتيجة للفقر الذي تعيشه دول العالم الثالث وبأرخص الأثمان.
(3) بضع قنابل مصنوعة محليا وهي متوفرة بكثرة وتباع في الأسواق السوداء، بل يمكن لأي جهة أن تمدنا بها بدون مقابل.
أما التنفيذ فهو أبسط بكثير من التحضير للأمر.
ويتلخص في الأمر التالي: لف قنبلة صغيرة مؤقتة شديدة الانفجار ومحشوة بالمسامير في صحيفة محلية مسيسة أو ممولة من قبل جهات خارجية توضع بعدها في وسط مسجد أو مزار للشيعة في أحد أحياء بغداد أو سامراء أو البصرة قبل أداء الصلاة بقليل.
بحيث يكون المسجد عند انفجارها قد أصبح مزدحما بالمصلين، ومن ثم العودة بسلام إلى البيت للخلود للنوم، وسوف يتكفل انفجار القنبلة الموقوتة بالقيام بالمهمة العظيمة: مئات القتلى والجرحى من الشيعة وأصابع الاتهام تتوجه بالتهمة إلى إخوانهم من أصحاب المذهب السني من العراقيين.
وبعد يومين نقوم باتباع الخطة نفسها ولكن في مسجد للسنة هذه المرة، وسوف تكون حصيلة القتلى والجرحى من السنة موازياً ومساوياً لأعداد القتلى والجرحى من الشيعة في اليوم السابق.
وهذا ليس هو الهدف المطلوب من تلك العمليتين. المطلوب هو معرفة متى ستبدأ عملية الانتقام المتبادل بين الطائفتين والتي ستمتد إلى طوائف أخرى.
السيناريو نفسه يمكن تطبيقه بشكل أفضل في دول كلبنان وسوريا ومصر والجزئر أو أي دولة عربية أو مسلمة أخرى، الباكستان، إيران، أندونيسيا، أفغانستان، إلخ فالدول العربية والمسلمة تزخر بالطوائف والمذاهب والديانات والاختلافات التي أصبح أصحابها قابلون للاشتعال في أية لحظة ولأي سبب تافه.
ويرجع ذلك إلى تغذية ثقافية عريقة متوارثة بعدم التسامح مع الرأي الآخر، والمذهب الآخر، والديانة الأخرى، اعتمادا على المقولة الأمريكية المعاصرة:
إن لم تكن معي فأنت ضدي ويجب القضاء عليك أولا. وربما لم تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أننا على الأقل سبقناها إن لم يكن في الفضاء فعلى الأقل في سياسة رفض رأي الآخر. مع أن أسس المبادئ الإسلامية تدعو باستمرار إلى نبذ العنف وإلى التفاهم والتحاور والبحث عن سبل السلام قبل إعلان الحرب.
كما أنها تحرم تحريما قاطعا أن يقتل مسلم مسلما آخر نطق بالشهادتين، أيا كانت الأسباب، وحرم القرآن نصا وبالحرف الاعتداء على دور العبادة أيا كانت مسيحية أو يهودية أو غيرها.
أو التعرض لكبار السن والنساء والأطفال بل حتى قطع شجرة في الصحراء قد يستظل بها مسافر. هذه هي مبادئ التسامح مع الآخر التي أرساها الرسول الكريم، والتي نحن في حاجة اليوم إلى تطبيقها (أولا) على أنفسنا.
لقد حصد عدم التسامح الكثير من أرواح المسلمين البريئة. وسهل تطبيق جميع النظريات التي ترمي إلى تفرقة المسلمين وعزلهم عن العالم الخارجي ومن ثم إشعال فتيل الفتنة الطائفية بينهم ليقضوا على أنفسهم بأنفسهم.
غير أن الأمل لا يزال غير مفقود في أمة وصفها الله في كتابه الكريم بأنها «خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر».
والدعوة التي وجهها رجال الدين العراقيون شيعة وسنة بعد التفجيرات التي استهدفت ضريحي الإمامين علي الهادي وحسن العسكري في مدينة سامراء، إلى صلاة يؤديها الشيعة والسنة في مسجد مشترك، تبشرنا بخير نتمنى أن يدوم ويستمر ويعمل به.
لقد كان لبنان في يوم من الأيام المركز التجاري والاقتصادي والأمني الذي ليس له مثيل في الشرق الأوسط. واستطاعت اليد التي لها مصلحة في عدم استقراره إلى الضرب على وتر التنوع الطائفي (ولا نقول الاختلاف)، وكانت طلقة واحدة كافية لتشعل حربا استمرت لأكثر من ربع قرن، تحولت لبنان بعدها إلى خراب ودمار.
وكانت تلك الفجوة التي خططت لها إسرائيل بأناة وهدوء لتدخل إلى لبنان من أوسع أبوابها وتعيث فيها فسادا وتتحكم في مصير لبنان؛ وهنا اكتشفت جميع الطوائف بشتى انتماءاتها بأنها جميعها خسرت المعركة وأن وطنهم أصبح مدمرا ومحتلا.
إلى أن عادت وحدة اللبنانيين مرة أخرى وتم طرد إسرائيل من الجنوب شر طردة؛ واليوم تعود بعض الدول ذات المصلحة إلى إعادة محاولة تدمير لبنان بنفس السياسة السابقة: إشعال الحرب الأهلية: وكادت أن تندلع مرة أخرى بعد مقتل الحريري. غير أن اللبنانيين ربما تداركوا الأمر قبل فوات الأوان.
إن الدول الإسلامية، أيا كانت الحكومات والأنظمة التي تدير شؤونها، في حاجة إلى مجالس طائفية تنتمي إليها جميع الفرق، تعرض وتحل فيها الخلافات بالحوار والهدوء.
وبذلك سيضمن الجميع بأن أي محاولة لزرع الفتنة يعني أن هناك يداً من خارج هذا المجلس تريد أن تفرق لكي تسود وهي التي تحاول إشعال تلك النار وبالتالي يجب الاشتراك في إخمادها.
هناك مسلمون ومسيحيون بل ويهود يعيشون جنبا إلى جنب في بقاع العالم الإسلامي، وهناك أقوى مذهبين وربما أخطر مذهبين مسلمين نشآ بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى: الشيعة والسنة..
. وما يجمع ما بين الديانات السماوية أكثر مما يفرق بينها. وما يجمع ما بين السنة والشيعة والمذاهب الإسلامية الأخرى أكثر بكثير من الأمور السطحية التي (تميز) اجتهادا كل فئة عن غيرها، ولكنها يجب أن لا تصل إلى حد الاقتتال الدامي! ونترك الأمور المختلف عليها إلى الله يحاسب من يشاء ويعفو عمن يشاء.
جامعة الامارات
dralaboodi@gmail.com