لا تزال معظم الرسائل التي يحملها لنا البريد تراوح في المكان نفسه، وتتحدث عن القضية الأزلية التي يعانيها معظم الشباب، لا يزال البحث عن وظيفة هو مصدر الأرق الأكبر لأعداد بلا حصر من الشباب، ترتفع نسبتهم سنة تلو أخرى، لأن أعداد الخريجين تزداد، ولأن الجامعات والكليات تزداد، ولأن ثقافة رفض المواطن تتحدد في كثير من المؤسسات الخاصة وأحياناً الحكومية، ولأن بعض الخريجين يضعون كل خياراتهم في مكان واحد وعلى عمل واحد، من دون أن يفكروا في كسر حواجز الروتين بابتداع حلول ومخارج تناسب الوضع والعصر والحاجة!
لقد تحوّلت البطالة إلى آفة خطيرة، بينما صار الشباب العاطل طوابير طويلة بعد أن وزعوا شهاداتهم، وكل أوراقهم الثبوتية على كل المؤسسات والدوائر والشركات بأمل الانتظار المثمر، ولكنهم يطول بهم الانتظار والهاتف لا يرن، والمقابلة الموعودة لا يحين وقتها أبداً، فلماذا يكذبون عليهم على طريقة اترك أوراقك وسنتصل بك، طالما هم يعلمون أنهم لن يتصلوا أبداً؟
لا يزال هؤلاء الشباب وأهلهم ووسائل الإعلام في حيرة من أمر المؤسسات والدوائر والشركات التي يجد فيها الجميع وظائف مناسبة، وبسرعة فائقة، إلا أبناء الوطن، لذلك فهم يطرحون أسئلتهم واحداً تلو الآخر: أين الخلل؟ ومن المسؤول؟
هم أم المؤسسات؟ أم قوانين الخدمة المدنية؟ أم مؤسسات التعليم التي تخرّجوا فيها ظناً منهم أن الوظائف جاهزة بانتظارهم؟ فإذا بهذه الوظائف جاهزة بالفعل، لكنها محجوزة في الغالب لآخرين يأتون من الخارج أو يتم التعاقد معهم خارجياً!
لا أحد يجيب عن أسئلتهم وأسئلتنا، حول معدلات البطالة بين الشباب، ما يجعلنا نصدق تلك الأرقام التي تأتي ضمن تقارير التنمية البشرية والإنسانية التي تصدر عن الأمم المتحدة، والتي نعلم أنها تقارير تشبه كلمة الحق التي يُراد بها باطل، لكن ما العمل طالما ان المعلومات هنا محجوزة، وممنوعة من التداول، مع العلم أن الأرقام هي الطريقة الوحيدة لوضع دراسات سليمة وطرح حلول ممكنة التطبيق، الأرقام المنبثقة عن دراسات سليمة وشفافة، وليست الأرقام المجاملة أو المزيفة للواقع!
وللأسف، فإننا أصبحنا ننادي بتوظيف الشباب في القطاع الخاص المسيطر عليه بنسبة 99% من قبل الأجانب، بينما القطاع الحكومي هو الأجدر بتوطينه أولاً، فلماذا نتوجه إلى الخاص طالما ان العام لا يزال يعجّ بآلاف من غير المواطنين؟ فإذا كان التحدي في القطاع العام والحكومي كبيراً وإشكالاته معقدة وفرص وجود وظائف للشباب صعبة، فما بالنا بقطاع يشتغل فيه الأجانب بطريقة اللوبيات، وجماعات المصالح؟ كيف سيجد شبابنا فيه فرصهم المناسبة؟
وإذا سلمنا بضرورة دخول الشباب المواطن في هذا القطاع، وهو دخول مشروع وضروري، فما هي الآليات التي وضعت لمراقبة هذا التوظيف والتوطين، حتى لا يتحول الأمر إلى مجرد تمثيليات وتلاعب بالأرقام وزج بأسماء المواطنين في كشوف العاملين في الشركات الخاصة بينما الحقيقة غير ذلك؟
هناك استراتيجيات لا بد من اعتمادها وأسئلة لا بد من طرحها: لماذا لا يتم توطين القطاع العام والحكومي بأكمله بكوادر الشباب المواطن المتعلِّم والمؤهل طالما توجد وظائف في هذا القطاع؟ لماذا حتى الآن وبعد 35 سنة لا يزال القطاع الحكومي (الوزارات، المؤسسات، الدوائر المحلية، الهيئات..) مشغولاً بنسب عالية من غير المواطنين، بينما المواطنون لا يجدون أشغالاً في وطنهم؟
sultan@dmi.gov.ae