الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن هناك انقساماً عربياً رسمياً على الأقل في شأن الملف النووي الإيراني، هذا الانقسام بدأ خافتاً، لكنه يصير الآن علنياً، وعندما يتطور الملف نحو الحسم في الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو حتى بذهابه لمجلس الأمن فإن هذا الانقسام سيأخذ في التعمق، خصوصاً أن البلدان العربية ستكون مطالبة بحسم موقفها، ولن يسمح لأحد أن يلتزم الصمت، أو حتى يظهر غير ما يبطن.
هناك دول عربية توقن أن السلاح النووي الإسرائيلي هو المشكلة فقط بل وترى في إمكانية امتلاك إيران سلاحاً مماثلاً في المستقبل ما يمثل رادعاً لإسرائيل، وهذا الموقف يتبناه قطاع لا بأس به من الشارع العربي الذي يعجبه الخطاب الثوري الإيراني خصوصاً فيما يتعلق بتصعيده اللفظي ضد «الاستكبار الأميركي»، أو محو إسرائيل من الخريطة، والتشكيك في الهولوكوست.
لكن أطرافاً عربية أخرى تعتقد أنه إضافة لخطورة السلاح النووي الإسرائيلي، فإن المشروع النووي الإيراني ليس ملائكياً أو بريئاً تماماً، وانه يمثل مشكلة أخرى وليس حلاً، وجهة النظر هذه ترى في السعي الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية وتطويرها لاحقاً لتصبح عسكرية بمثابة تكريس للهيمنة الإيرانية على المنطقة وابتزاز الغرب بهذه الورقة، أصحاب هذا الرأي يؤكدون أنه يصعب إيجاد فارق حقيقي فيما يتعلق بالتعامل الإيراني مع المنطقة سواء كانت إيران تحت حكم الشاه حليف الغرب العلماني أو تحت حكم الثورة الإسلامية المناهضة للغرب، من وجهة نظر هؤلاء أيضاً فإن الأساس هو المصالح القومية الإيرانية العليا المتصادمة ـ غالباً ـ مع أي مشروع قومي عربي.
وبغض النظر عن اليقين بشأن القنبلة النووية الإسرائيلية المؤكدة أو الشك في القنبلة الإيرانية المحتملة، فهل يليق بالعرب أن يظلوا يتفرجون، ويكون مصيرهم الدائم هو العيش تحت سقف الخوف الدائم من اليد الإسرائيلية الثابتة على الزناد، أو المراهنة على قنبلة إسلامية سواء كانت في باكستان أو إيران. وإلى متى لا يظل أمام العرب سوى الوقوع فريسة أمام خيارين أحسنهما سيء؟
أغلب الظن أنه لا يوجد حل لهذه المعضلة الوجودية خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلاح ردع استراتيجي، سوى أن يسعى العرب جماعة أو منفردين لامتلاك سلاح نووي، لو كانت التجارب العربية السابقة، في هذا الشأن نجحت لما كانت البلطجة الإسرائيلية أو الأميركية والغربية قد وصلت إلى هذا الحد، ولكانت خريطة المنطقة قد انقلبت رأساً على عقب، ولربما كانت إسرائيل نفسها غير إسرائيل التي نعرفها الآن.
لنتوقف قليلاً عن ترديد نغمة إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، هذه اسطوانة عبثية ومملة ولا قيمة لها إلا عندما تتجرد إسرائيل من ترسانتها النووية، وبما أن ذلك لن يحدث مطلقاً ولا حتى في الأحلام، فإن استمرار هذه الكلمات التي لا تحمل مضموناً لا يعني سوى القبول بمنطق الإملاءات الإسرائيلي، أو أي إملاءات أخرى مستقبلية.
ما الذي ينقصنا كعرب لكي نمتلك أسلحة ردع؟! الأموال متوافرة وبكثرة تحسدنا عليها كل الأمم، أما عن العلم والخبرة فعلماء العرب في هذا المجال كثر، جزء منهم يتعرض لتصفية منهجية في العراق، وجزء منهم يئس فهاجر وأبدع في الغرب، أما معظمهم فيقبع مستسلماً داخل أروقة ومكاتب ودهاليز البيروقراطية العربية.
إذن ما ينقصنا فقط هو توافر الإرادة لتنفيذ ذلك. لكن المأساة هي أن الأموال يمكن توفيرها، والعلماء موجودون، أما الإرادة فيستحيل شراؤها ولو بكل كنوز الأرض، وتلك هي معضلتنا حتى إشعار آخر.
emadiraqi@yahoo.com