قالت أليسندرا موسوليني (حفيدة الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني) التي تتزعم الحزب اليميني الفاشي الإيطالي (البديل الاجتماعي) إنه لولا سياسة جدها (واستعماره ليبيا) لبقي الليبيون حتى الآن يركبون الجمال ويلبسون العمامات، وينبغي أن يعوضوا علينا لأن استعمارنا كان إيجابياً، وان الفاشية صدّرت الديمقراطية والطرقات والمنازل والمدارس إلى ليبيا.

يدل هذا التصريح بوضوح على الصورة النمطية التي تختزنها الثقافة الأوروبية عن العرب والمسلمين، ويذكرنا بالمزاعم التي استعمر الأوروبيون بلادنا العربية تحت خيمتها والتي كانت تؤكد دائماً أنهم إنما جاؤوا لتمديننا ونقلنا من عصور الانحطاط إلى عصر الأنوار ومن التخلف إلى التقدم، واستعانوا دائماً بأكاذيب السياسيين أمثال أليساندرا وتخرصات بعض المستشرقين التي وظفوها لخدمة الاستعمار الأوروبي الكولونيالي، وإدعاءات بعض الصحافة الأوروبية ومراكز الأبحاث خلال أكثر من قرنين بأن الاستعمار كان ضرورياً لبلادنا وأن مهمته إنسانية وحضارية ونعمة من الله علينا، وكانت حصيلة ذلك أن تشكلت صورة نمطية سلبية عن بلادنا وثقافتنا وحضارتنا وعن الدين الإسلامي ترزح تحت عبئها الثقافة الأوروبية والمجتمعات الأوروبية وتقف حتى الآن عقبة أمام أية علاقة صحيحة بين الحضارة العربية الإسلامية والثقافة الأوروبية، واستطراداً بين الشعوب في شمال المتوسط وجنوبه، ولعل المحافظين الجدد والليبراليين الجدد في الولايات المتحدة وأوروبا يستخدمونها الآن في تشخيصهم الإرهاب واتهام الثقافة العربية الإسلامية بأنها حاضنته ومنتجته.

تشكلت الصورة النمطية السلبية لدى كل من هذه الشعوب عن الأخرى خلال الألف عام الماضية، وساهمت في تشكيلها عوامل متعددة منها حروب الفرنجة (الحروب الصليبية) ثم صراع الدول الأوروبية مع الإمبراطورية العثمانية، وأخيراً السياسة الاستعمارية الأوروبية بعد الثورة الصناعية، وكانت الطبقات الحاكمة في أوروبا وشركاتها الاحتكارية طوال هذه الأحداث تحاول أن تحل صعوباتها الداخلية بتوجيه مجتمعاتها إلى الخارج إلى عدو وهمي في الواقع، فبررت أسباب حروب الفرنجة نفسها (بإنقاذ قبر المسيح) من يد المسلمين (الكفار المتوحشين) ودليل أكذوبة هذه المقولة أنه عندما قدمت الجيوش الصليبية دمرت أول ما دمرت كنائس المسيحية المشرقية وتعاملت مع مسيحيي الشرق بأقسى مما تعاملت مع مسلميه، ونسيت قبر المسيح وكشفت عن أهدافها الحقيقية بأنها غزوات نهب وسلب وتصدير للصعوبات الداخلية في مجتمعاتها الأوروبية.

ولم يختلف الأمر بعد الثورة الصناعية في أوروبا حيث وجهت الجيوش لاحتلال البلدان العربية وغيرها من البلدان في آسيا وإفريقيا، وسخرت السياسة الاستعمارية بعض المستشرقين والكتاب وبعض المؤسسات الثقافية والصحافية لتتحدث عن المهمة (الإنسانية والتحديثية) لهذه الجيوش وذاك الاستعمار، وأول ما زورته لتبرير الاستعمار أمام شعوبها وأمام القوى الديمقراطية فيها هو صورة العرب والمسلمين لتسويغ استعمار بلادهم.

بقيت هذه الصورة النمطية المشوهة ثابتة وراسخة حتى الآن، وعززتها المناهج المدرسية والكتب المدرسية ومراكز الأبحاث والدعاية السياسية والصحافة ووسائل الإعلام التي مازالت تلتقط تصرفاً أو حدثاً شاذاً لتعممه وتجعل منه أمراً جديراً بإعطاء صورة عن حضارة العرب وثقافتهم ودينهم وسلم قيمهم، ومن يطلع على الكتب المدرسية المقررة الآن في مدارس البلدان الأوروبية يندهش من حجم التضليل والأكاذيب والتشويه الذي تمارسه بعض هذه الكتب عن العرب والمسلمين وعن معتقداتهم وأفكارهم ودينهم وثقافتهم وسلم قيمهم.

لم تنفع محاولات التيارات الثقافية الأوروبية الديمقراطية حتى الآن في اجتثاث هذه الصورة أو تغييرها، كما لم تنفع في هذا المجال محاولات المثقفين العرب ووسائل الثقافة والإعلام فضلاً عن السياسات العربية، لأنه ينقصها الجدية والشمولية والخطط الواضحة وتوظيف الإمكانيات لتحقيق هذا الهدف، وبقيت محاولات تغيير هذه الصورة عفوية وطارئة وغير مستكملة شروطها، وبقي الرأي العام الأوروبي مقتنعاً بالصورة النمطية القائمة والثابتة منذ مئات السنين، والتي أوجدت مناخاً مسبقاً من العداء والاحتقار للعرب والمسلمين، واستعمار بلادهم ونهب ثرواتهم وتجاهل حقوقهم القومية والإنسانية، وحقهم في تقرير مصيرهم والتصرف بخيراتهم، وبناء اقتصادهم الوطني وأنظمتهم السياسية التي يريدون.

لقد كان الاستعمار الإيطالي أكثر صنوف الاستعمار الأوروبي همجية وعنفاً سواء في ليبيا أو في إثيوبيا، ولأن إيطاليا لم تستطع أن تكون شريكاً متكافئاً للاستعمارين البريطاني والفرنسي ولم تحصل سوى على الفتات فقد عوضت تأخرها الزمني وقلة عدد مستعمراتها بحملاتها الاستعمارية الأكثر همجية ووحشية، فارتكبت المجازر ولم تراع حتى تقاليد المستعمرين نفسها، ولم توفر شيئاً أمكن سرقته من ثروات مستعمراتها ومن خيراتها إلا واستغلته، وكان الاستعمار الإيطالي في الواقع صورة صادقة عن الفاشية وجرائمها داخل إيطاليا، وتأتي الآن أليساندرا لتفتخر بغزوات جدها الاستعمارية وهمجية جيوشه ونهب ثروات الآخرين وتزعم أن هذا كله إنما كان تمديناً لهم وإلحاقهم بركب الحضارة.

ليست المسألة في تصريحات حفيدة موسوليني الفاشية والمتطرفة وإنما العبرة في تلك الصورة السلبية التي شكلها المستعمرون الأوروبيون لدى شعوبهم عن العرب والتي مازالت بعض الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية والفكرية الأوروبية تحتفظ بها وتبعث فيها الحياة كلما أوشكت على الموت.

ولا تجد لدى الحكومات الأوروبية والعربية ولدى النخبة هنا وهناك، من يحاول تغيير الصورة وجعلها أكثر واقعية، فضلاً عن تجاهل المفكرين والكتاب والصحافيين ومؤسساتهم والمؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني هذه المهمة الكبيرة حيث يتعذر أي تعاون جدي بين شعوب المتوسط شماله وجنوبه وبين الشعوب الأوروبية والعربية، إن لم تتغير هذه الصورة النمطية ويشعر الناس لدى الطرفين بالمساواة والتكافؤ بين هذه الشعوب وبالاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة، وأن يتخلى الأوروبيون إلى الأبد عن شعورهم بالاستعلاء وعن قناعتهم بدونية حضارة الآخرين وثقافتهم، وان يجهد العرب بمختلف السبل وبمنهجية وجدية لتعريف الآخر الأوروبي بحضارتهم وثقافتهم ودينهم وتاريخهم، في الوقت الذي يعملون فيه للانفتاح على ثقافة الآخر وتكثيف عملية التثاقف والحذر من أحابيل من يعملون لتعزيز صراع الثقافات وصراع الحضارات لبناء عولمتهم، التي تحول شعوب الأرض كلها إلى مستهلك لبضائعهم وتقاليدهم وأنماط عيشهم، وتتخلى عن هويتها الوطنية وتكوينها الثقافي والحضاري.

تفوح من تصريحات أليساندرا روائح العنصرية والفاشية ويبدو لي لسوء الحظ أنها ليست تصريحات عابرة فردية وإنما تمثل تياراً متطرفاً عنصرياً موجوداً فعلاً في البلاد الأوروبية، ينبغي العمل على تطويره.

كاتب سوري