يتكرر دائماً على مسامعنا ذلك الحديث عن الأحلام التي تصنع المعجزات، وعن المعجزات التي غالباً ما تبدأ بحلم، ويتراءى لنا ونحن نسمع هذا الحديث تلك الجيوش التي هي بلا عدد للحالمين في كل أرجاء العالم، ونذهب في رحلة طويلة مع خيط أحلام لا ينتهي، ندور معه حول الأرض ولا ينتهي، لأن الأحلام لا تنتهي والحالمين كذلك، كما كنت أعتقد!
لكن الحالمين اليوم صاروا يتوقفون كثيراً وهم يحلمون، صاروا يقبضون على أحلامهم بأصابع اليدين، يفتشون حلمهم، يستنطقونه، يشمونه، فلعله يحمل في ثناياه شيئاً من تلك الأفكار التي أصبحت ممنوعة دولياً، أو محرمة عالمياً، لماذا صار الحالمون عقلاء أكثر مما ينبغي؛
لماذا صاروا يُعقلنون أحلامهم ويفصلونها على مقاس الواقع؟ ألأن الواقع ما عاد يحتمل أحلامهم؟ أم لأن الأحلام ما عادت تناسب أهل الواقع؟ أم لأنها صارت مزعجة أكثر مما ينبغي؟! أم لأن الواقع ما عاد يتسع أو يتسامح مع الأحلام النبيلة؟
فهل تصير الحياة مشروعاً جميلاً للسفر وللمضي قدماً للأمام دون أحلام؟ ومن قال إن الحلم يصير حلماً مشروعاً ونبيلاً وغير قابل للمساومة إذا استخرج من قوائم الرقابة والقوانين وسلسلة الممنوعات والمحظورات؟ إنه والحالة هذه لا يشبه الحلم في شيء، تماماً كتلك الكتابة التي نكتبها على الورق مشحونة باللون والضوء والأصوات الصاخبة،
فإذا استقرت بين يدي قوانين النشر، نزع منها الصوت أولاً، ومحيَّ اللون وأطفئت الأضواء، ومن ثم نشرت الكتابة، فأي كتابة تلك؟ إنها الكتابة التي لا تشبه نفسها ولا تشبه كاتبها، إنها كتلك الأطعمة التي صاروا يطلقون عليه في عصرنا «منزوعة الدسم»، الكتابة المنزوعة اللون والصوت والضوء، كتابة منزوعة الحلم والهوية والحرية!
الأحلام الكبيرة والنبيلة تشبه الحكمة والنساء، فالحكمة صعبة المنال، والنساء متطلبات على الدوام، وكذلك الأحلام العظيمة التي تتجاوز الأجساد وحدود الجغرافيا، إنها تتعب الجسد، وتخيف الواقع وأهله المتحكمين فيه، لأن مطالبها كثيرة، واستحقاقاتها صعبة، ولا تستقيم إذا وجد في مكان ما ظل عود أعوج!
لقد أنهك البحث عن الكمال صديقة لي أعتز بصداقتها، فما تكاد تحط رحالها في عمل حتى تبدأ في تمشيط المكان بحثاً عن مناطق الخلل، ومن ثم تشن حملة تطهير واسعة النطاق، فإذا بها تكتشف في كل مرة أنها كمن يريد إعادة ترميم خرائب متهالكة منذ قرون،
لكنها ـ كما تقول ـ لا تستطيع العمل في «خرابة»! وغالباً ما ينتهي حلم ترميم الخرائب بتقرير يوصي برفع يدها عن هذا المشروع، وإحالتها إلى مكان آخر لدواعي المصلحة، مصلحة الحفاظ على سرية الخرائب!.
sultan@dmi.gov.ae