الذين يعودون بذاكرتهم للوراء يتذكرون مدارس زمان ومدرسين زمان والحياة في المدرسة، ويتذكرون جيدا كيف كان المدرس بشخصيته الوقورة يرتسم في أعيننا جميعا كمثال وقدوة، وناظر المدرسة الذي كنا لا نستطيع النظر في عينيه ليس خوفا بقدر ما هو احترام وتقدير لهذا الرجل الذي يدير دفة التربية والتعليم في مدرسته.
لهذا فان ذاك الجيل مازال يكن احتراما لمدرسين وأساتذة كان اللقاء بهم محطة من محطات العمر المهمة، نتذكرهم اليوم وبعد مرور السنين وترتسم وجوههم أمام أعيننا، وأصواتهم أثناء شرح الدرس ترن في أسماعنا.. كان شكل العلاقة مختلفاً، وكانت المدرسة نفسها بذلك الالتزام الذي تفرضه علينا تشكل خلية ذات نظام.
من يطلب إلى غرفة ناظر المدرسة، أو غرفة الوكيل أثناء الطابور الصباحي يعني أن هناك مسألة مهمة وكبيرة جداً.. فمكتب الناظر لا ندخله إلا مرة واحدة حينما يذهب الطالب مع ولي أمره ليسجل بها أو ينتقل منها أو إليها، وفيما عدا ذلك فلا زيارات.
اليوم ومن واقع مدارسنا أصبحت غرفة الناظر مثل أي غرفة فهي مخزن المدرسة وهي كل شيء ولأي شي، بعد فقدان الهيبة.كيف تعلمنا احترام مدرسينا في ذلك الزمان؟ تعلمناه من النظام ومن أسلوب المعاملة ومن الحزم الايجابي الذي يستهدف تقويم سلوكنا وتربيتنا على الخلق القويم والسليم.
أيضاً كان لنظار المدارس أيام زمان صلاحيات وكان لهم سمعة وهيبة حتى في الأحياء السكنية، فناظر المدرسة هو مربي الأبناء ومقوم سلوكهم، يتخذ من كل هذه الصفات سلطة. مع ارتباكات التعليم عندنا ومع فشل الكثير من الخطط والبرامج التربوية، ومع العواصف التي مرت بالمناهج الدراسية، ضاعت هيبة المدرسة وهيبة الناظر وبالتالي فقدت هيبة المدرس ووقاره.
فرق كبير بين حال المدرسة على أيامنا السالفة وبين حال المدرسة اليوم، والمسألة ليست لها علاقة بالتطور ولا بالتكنولوجيا، ولا بالتغيرات الاجتماعية التي طرأت على الأفراد في المجتمع، بل هي مرتبطة بالسلطة التي انتزعت من المدرسة انتزاعا وتحول ناظر المدرسة إلى منفذ آلي لما يصدر إليه من تعليمات.. فغاب دوره.
لهذا فان الدعوة التي يتبناها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بأهمية صون كرامة المعلم تفتح الآفاق لتقوية وتعزيز دور ومكانة المدرسة وكل التفاصيل التابعة.
ويستلهم من هذه الدعوة ضرورة التفكير في هيبة وكرامة المدرسة التي لا تدعم إلا بالعمل الجاد على تحويل مدارسنا إلى بيئات حاضنة للعقول المبدعة والعقول الخلاقة ومحفزة على العطاء.
وزارة التربية مطالبة اليوم بوضع تصورات خاصة للمدرسة الحديثة التي يدخل إليها الطالب لا ليعبث بل ليتلقى علومه التي تعيد تشكيل شخصيته وتعمل على بنائها البناء السليم.
mhalyan@albayan.ae