الوقت عامل حاسم في قضايا كثيرة، فهو قدرَ أهميته، على مستوى حياة الفرد، له أهمية خاصة، في المفاصل المهمة من حياة الشعوب، فإدراك أهميته، يساعد على تلافي الأزمات أو إبعادها أو التخفيف من آثارها.
الواقع العراقي المحتقن، لا يسمح بإضاعة دقيقة واحدة، من أجل التوصل إلى اتفاق للم الشمل وقطع الطريق، على تنامي، موجة العنف والكراهية، التي تتضخم بين العراقيين، والتي لا أحد، ممن يهمهم، مصلحة البلد، يرغب في أن يراها شاخصة، في طريقه، أو في بيته، أو في مكتبه، أو في الأفق البعيد الذي يرنو إليه.
فالعراقيون قد أهدروا وقتاً ثميناً، في مناسبات مهمة كثيرة، فقد جرت الانتخابات النيابية الأخيرة، في الخامس عشر من ديسمبر، من العام الماضي، ولم تعلن نتائجها، بالشكل النهائي، إلا بعد مرور شهرين، كما إن المجلس النيابي الجديد، لم يعقد أولى جلساته، رغم مرور الموعد المحدد لذلك، كما ينص الدستور، بسبب خلافات جديدة، قد تُدخل العراق، في مأزق من نوع جديد، لا تتحمله بنيته الهشة.
فلأول مرة، في الثلاث سنوات الأخيرة، تقف النخب السياسية العراقية في خندقين متعارضين، بعد أن فاز الدكتور الجعفري، مدعوماً بالتيار الصدري، على منافسه، الدكتور عادل عبد المهدي، مرشح المجلس الأعلى للثورة الإسلامية،
بفارق صوت واحد، كمرشح لرئاسة الوزارة، عن قائمة الائتلاف الموحد، للسنوات الأربع المقبلة. وقد قوبل هذا الترشيح بالرفض، من قبل الكتلات السياسية الأخرى، وطلبوا من كتلة الائتلاف، تقديم مرشح آخر، وهذا ما رفضته الائتلاف، معربة عن تمسكها بالجعفري.
إن عدم الاتفاق، على تسمية رئيس الوزراء، يدخل العملية السياسية في نفق مظلم، إذ يتعرقل في ضوئه تسمية رئيس الجمهورية وتسمية رئيس المجلس النيابي كذلك، فالمناصب الثلاثة الرئيسية، حزمة سياسية واحدة، يتوافق عليها الفرقاء المعنيون.
وللجهات الرافضة، لترشيح الجعفري، لرئاسة الوزارة، منطلقات مختلفة، فالتحالف الكردستاني، ينطلق من تجربة الفترة الانتقالية، التي دخل فيها في خلاف شديد، لم تفلح الصلات القوية التي تربطهما، في إبقائه في الظل، فانفجر أكثر من مرة.
ورغم أن التحالف الكردستاني، له تحفظات شديدة، على انفراد الجعفري، باتخاذ القرارات، إلا أن سبب تشدده، في الرفض، ينبع في الحقيقة من موقف آخر، إذ يُتهم الجعفري، بعرقلة تنفيذ المادة 58، من قانون إدارة الدولة العراقية، في المرحلة الانتقالية، الخاصة بمحافظة كركوك.
كما ينظر الأكراد بريبة، إلى أهداف الجعفري من زيارة تركيا مرتين، وهي الدولة التي تُعنى بقضيتين مهمتين، في الشأن العراقي وهما: قضية الأقلية التركمانية، التي تقطن كركوك أولاً، وقضية الفيدرالية الكردية نفسها ثانياً، خاصة وأن الجعفري، هو المسؤول الكبير الوحيد، الذي لم يحضر مناسبة افتتاح البرلمان الكردستاني.
وقد ازدادت الشكوك، بعد تحالف الجعفري مع التيار الصدري، المناوئ لمبدأ الفيدرالية، حيث أعرب الناطقون بلسانه، في أكثر من مناسبة، عن تحفظهم على الفيدرالية، ولم يستثنوا إقليم كردستان من ذلك. وقد كانت الزيارة الأخيرة، التي قام بها الجعفري، إلى تركيا، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
أما الأطراف الأخرى، فتنطلق في رفضها للجعفري، من الأداء المتواضع، لحكومته، في المرحلة الانتقالية، وتحمله مسؤولية الفشل، في معالجة القضايا الخطيرة العالقة، وأبرزها القضية الأمنية.ولم تفلح الضغوط، التي مورست، على المرجعيات الدينية، من قبل كتلة الائتلاف والتحالف الكردستاني، في الخروج بحل للمأزق المتفاقم.
يهدف تسليط الضغوط ، على الائتلاف الموحد، إلى إضعاف دوره، في الحياة السياسية، للأعوام الأربعة القادمة، خاصة بعد فقدانه للأغلبية البرلمانية، التي تمتع بها في المرحلة الانتقالية، و تحوله إلى كتلة ثيوقراطية، بعد خروج العناصر الليبرالية منه.
إن مسار الأحداث، في الفترة القصيرة المقبلة، يشير إلى الاحتمالات التالية:
1- تمسك الائتلاف بالجعفري، مما يعني تقديم مرشح جديد من خارج الائتلاف، بعد أن ينضم التحالف الكردستاني إلى الكتلات الأخرى، لينبثق عن ذلك أكبر كتلة نيابية، يصبح من حقها، وفق الدستور، أن تقدم مرشحها لرئاسة الوزارة، ولكن قد يكون من الصعوبة بمكان، إحراز أصوات ثلثي المجلس النيابي، لاختيار مجلس الرئاسة، وتبقى المعضلة قائمة.
2- تقديم مرشح من خارج الكتلات النيابية.
3- عقد صفقة بين الفرقاء، يتم بموجبها قبول ترشيح الجعفري، مقابل تنازلات ترضي بقية الأطراف، خاصة ما يتعلق منها بزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية، أو القبول بمقترح رئيس إقليم كردستان، والخاص بتشكيل مجلس الحل والعقد، من قادة الكتل السياسية، للحد من صلاحيات رئيس الوزارة.
4- إعادة الانتخابات، والدخول في دوامة أزمة سياسية، وهذا في الحقيقة، منزلق خطير جداً، في ظل الظروف الراهنة، التي يمر بها العراق.
بقي هنالك، عامل مهم لم نتطرق إليه، ألا وهو الضغوط الأميركية المتزايدة، على الكتلات السياسية، من أجل التوصل، إلى حل مرض لجميع الأطراف، يضمن اطمئنان الإدارة الأميركية، على مسار مشروعها المتعثر، للشرق الأوسط الكبير، رغم التصريحات المقلقة، التي أدلى بها السفير الأميركي في العراق زلماي خليل زاد ووزير الدفاع الأميركي رامسفيلد، عن عدم استبعادهما، وقوع حرب أهلية في العراق.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae