أخصائيو العلاج النفسي يتعاملون مع آفة الإدمان على أنها ـ حسب مصطلحاتهم ـ مشكلة الاعتماد أو التعويل أو الاتكال على المادة المخدرة التي يعرّفونها بدورها على أنها عنصر من عناصر التأثير على الملكات العقلية للإنسان.

في ضوء هذا التعريف العلمي لمرض «الإدمان» أطلق الرئيس الأميركي بوش ـ في أواخر فبراير الماضي ـ تصريحه الشهير الذي دعا فيه أميركا، وربما الغرب بشكل عام، إلى مكافحة ما وصفه بوش بأنه «إدمان النفط».

بعدها سارعت الأوساط السياسية ومراكز البحوث المعنية بالقضايا الاستراتيجية ومعها علماء المستقبليات إلى ترجمة هذه الدعوة كي تصاغ ضمن مبدأ ما برح ساريا ومتواتراً في الدوائر الغربية منذ الربع الأخير من القرن العشرين.. وهذا المبدأ هو:... أمن الطاقة.

ولقد حددنا السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من القرن الماضي باعتبارها الفترة التي أعقبت أحداث «المواجهة النفطية» كما قد نسميها بين المنتجين العرب في الشرق الأوسط وبين المستهلكين الأوروبيين والأميركيين .

ومع ما واكب تلك المواجهة من ظواهر يشغف الغرب بأن يطلق عليها وصف «الخطر ـ الحصار النفطي» الذي فرضه العرب في غمار وقائع الحرب العربية - الإسرائيلية في أكتوبر (تشرين) عام 1973.

وفي دراسة موجزة نشرها مؤخرا البروفيسور «دانييل يرغين» وهو من كبار خبراء بحوث الطاقة بجامعة كامبريدج (أنظر فصلية فورين أفيرز المعنية بالشؤون الخارجية عدد مارس/إبريل 2006) - يرى الباحث أن الغرب عمد إلى إقامة نظام أمن الطاقة الذي ألمحنا إليه لكي يضمن فعالية التنسيق بين البلدان الصناعية .

وهي أكبر مستهلكي النفط إزاء أي طارئ يحول دون استمرار العرض أو التزويد بالنفط، كما يشجع على التعاون في رسم سياسات الطاقة (يقصد طبعا على مستوى المستهلكين الكبار). وباختصار.. يرى الأستاذ «يرغين» أن نظام أمن الطاقة الغربي .

وتقوده أميركا بالذات يفرض هدفا أساسيا تلخصه عبارة حادة باترة تقول ببساطة ـ «الحيلولة دون أن يعمد المنتجون أو المصدّرون إلى استخدام سلاح النفط» في المستقبل.

ولأننا بصدد نظام موضوع أو منظومة مؤسسية فقد جعلوا محور النظام أو المنظومة التي تكفل أمن النفط يتمثل في مؤسسة حملت اسم الوكالة الدولية للطاقة ومقرها في العاصمة الفرنسية باريس .

وتضم في عضويتها دولا صناعية مستهلكة ويضاف إليها مؤسسات معنية بمراكمة مخزونات الأرصدة النفطية وفي مقدمتها الاحتياطي النفطي الاستراتيجي في أميركا الذي يكاد يشكل ما يمكن أن نصفه بأنه بنك الاحتياطي الفيدرالي النفطي..

ثم جاءت أيام وأحداث أثبتت فعالية هذه المنظومة في ضمان الأمن النفطي وكان في مقدمتها إقدام نظام بغداد السابقة على غزو الشقيقة الكويت في صيف عام 1990.

وكان قد سبقته حرب الثماني سنوات التي ظلت مندلعة الأوار بين العراق وإيران حيث يلاحظ أن الأطراف الثلاثة التي شملتها تلك الأحداث تأتي على رأس الدول المنتجة والمصدرة للنفط من جهة،.

كما أنها تتاخم من منظور الجغرافيا - السياسية عملاقا منتجا آخر هو المملكة العربية السعودية من ناحية ثانية هذا فضلا عما تؤكده الفترة الراهنة بالذات من توترات على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة من ناحية ثالثة.

وهو ما تجسده تهديدات رئيس فنزويلا السيد هوغو شافيز باستخدام السلاح النفطي لمواجهة الضغوط الآتية من الشمال فما بالك وكاراكاس الفنزويلية تزود سوق الاستهلاك النفطية في أميركا بنسبة تصل إلى نحو 13 في المئة من احتياجاتها يظل السؤال مطروحا في هذا المضمار كيف يتصور الساسة والخبراء سبل العلاج من آفة إدمان الغرب والعالم الصناعي للنفط؟

هناك من يدعو إلى تكثيف البحوث التي ترمي إلى إيجاد أو تطوير أو اصطناع سبل ومصادر وموارد بديلة عن النفط. وبعضهم يطلق عليها وصف الموارد الجديدة والمتجددة.

وهناك من يدعو إلى الترشيد والقصد والتوفير ربما إلى حد التقتير في استخدام الطاقة النفطية التي تتسم بداهة بأنها ذخيرة ثمينة ولكنها ليست بغير حدود وإنما هي قابلة منطقيا للنفاد.

وهناك من يتبنى المنطق «الإمبريالي» الذي لا يتورع عن الدعوة إلى ممارسة الضغوط ومحاولات السيطرة الظاهرة والباطنة واستخدام إمكانات القوى الناعمة فضلا عن القوى الخشنة أو الصلبة ويشمل ذلك الغزل الدبلوماسي والابتزاز المعنوي والسلاح الاقتصادي وربما التهديد المباشر.. الصريح.

وبديهي أن كلا من هذه السبل له جدواه بقدر ما أنه ينطوي على سلبيات ومخاطر ومضار قد ترتد أساليبها إلى نحر مستخدميها فإذا بهم في موقع المنبت لا أمنا أرساه ولا مكاسب حققها.

على أن الذي نلاحظه من متابعة ما يجري حاليا على هذه الساحة بالذات في أوروبا وفي الولايات المتحدة هو: أن ثمة دعوة نراها أكثر تعقلا وأقل خطرا وربما أكثر جدوى ومصلحة بالنسبة للمنتجين والمستهلكين على السواء. تلك هي دعوة «التنويع» كما تؤكد الدراسة التي ألمحنا إليها في مستهل هذا المبحث الوجيز.

ونبادر فنقول مع صاحب الدراسة الباحث في كامبريدج ان مبدأ تنويع مصادر النفط ليس وليد اليوم ولا هو من أحداث الساعة الراهنة. لقد سبق إليه سياسي بريطاني محنك كان قد دعا قومه الإنجليز منذ 90 عاما إلى التحول عن استخدام الفحم وقودا للأسطول البحري لصالح استخدام النفط..

وضمن بذلك تفوقا للأسطول مما أسهم في انتصار بريطانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى: هذا السياسي كان وقتها شابا ووزيرا لبحرية بريطانيا وكان اسمه ونستون تشرشل.

كاتب مصري