كثيراً ما نتحدث عن توأمة تكاد تكون سيامية بين الجانب التربوي والجانب التعليمي في العملية التعليمية، التي تتخذ لها حيزاً في وزارة جمعت في اسمها بين التربية والتعليم. وذلك بسبب وجود حدود (وهمية) عند بعض المعلمين والإداريين بين هذين الجانبين، مما يستدعي التأكيد على تداخلهما ببعضهما.
ولكن يبدو أننا لم نتحدث بعد عن أهمية البعد الإنساني في العملية التعليمية، لأنه أمر بدهي لم نكن ـ حتى وقت قريب ـ في حاجة إلى تأكيده.
أما الآن فأعتقد أننا أصبحنا في حاجة إلى التأكيد والتشديد عليه في ظل وجود معلمين وإداريين يضعون البعد الإنساني على أعتاب المدارس قبل أن يلجوها، مقيمين حدوداً لم تكن موجودة من قبل، ولكنها بدأت تظهر الآن من خلال بعض الممارسات التي تكشف عن نفسيات جديدة دخلت حقل التربية والتعليم.
وإذا كان بعض الناس لا يدركون الدور الحقيقي للمعلم أو للإداري في مدرسة تعج بأطفال صغار في السن، ويظنون أن الحصول على شهادة جامعية في تخصص ما يعني صلاحية الشخص الحامل لها لأن يصبح معلماً.
فإن هذا يتطلب من وزارة التربية والتعليم أن تبدي صرامة أشد في بعض المعايير التي يُعيَّن بموجبها المعلمون والإداريون، خصوصاً فيما يتعلق بالجانب الإنساني، وبالاستقرار النفسي، والفهم العميق للبعد التربوي الموازي للعملية التعليمية، بل المتداخل معها.
والذي يدفعنا للكلام على هذا الموضوع هو استمرار بعض المعلمين والإداريين في القيام بممارسات يمكن القول عنها إنها غير إنسانية، تعكس خللا في فهمهم لوظيفتهم، ولدورهم تجاه هؤلاء الأطفال الذين تأتمنهم أسرهم وتأتمنهم الدولة أيضاً عندهم طيلة سبع ساعات يومياً تقريباً.
ومع وجود كثير من المعلمين والإداريين من الذكور والإناث الذين يعرفون الدور الحقيقي المناط بهم، ويشعرون بعظم مسؤوليتهم، ويضعون الجانب الإنساني أساساً لتعاملهم مع تلاميذهم.
إلا أنني أود تسليط الضوء على تلك الفئة التي لا ترى في ساحة المدرسة وصفوفها مكانا مناسبا للتعامل بشكل إنساني مع الطلاب الموجودين فيها، فتتصرف معهم بطريقة لا إنسانية تؤدي إلى نتائج سلبية على نفسية الطفل، وعلى مستواه الدراسي، وعلى علاقته بالمجتمع الخارجي.
ولن أتوقف عند أمثلة كثيرة على هذه الممارسات، بل سأكتفي بمثال واحد بلغت فيه القسوة وحب التسلط وإذلال الآخر ذروتها، تحت ستار تعليم الانضباط والالتزام واحترام النظام!
وحكاية هذا الموقف ذكرتها إحدى الصحف المحلية قبل أيام، جاء فيها أن إدارية في إحدى مدارس الدولة قامت بمعاقبة تلميذ جاء إلى المدرسة ـ مخالفا ـ مرتديا (النعال) بدلاً من الحذاء الرسمي للمدرسة، فلجأت إلى عقوبة غريبة وغير طبيعية.
وهي إجبار الطالب على الوقوف في طابور الصباح حافي القدمين، كما أجبرته على إتمام يومه الدراسي على تلك الحال المهينة بين زملائه، دون أن يحنّ قلبها، ودون أن تقبل عذره وهو وجود ألم في قدمه منعه من ارتداء الحذاء الرسمي.
ولم تكتفِ بذلك، بل قامت هذه الإدارية (باحتجاز) الحذاء عندها وأعادت الطالب ـ بعد انتهاء اليوم الدراسي ـ إلى منزله حافي القدمين، مما أثار دهشة أهله وتعجبهم، وحين علموا ما تعرض له ابنهم من إهانة وإذلال على يد تلك الإدارية تقدموا بالشكوى عليها.
إن هذا الموقف ـ وإن كان موقفا فرديا، ولا يمثل فئة المعلمين ولا الإداريين كلهم ـ يدل على وجود خلل في فهم عدد من المعلمين والإداريين لوظائفهم ولدورهم في المدارس.
وهذا أمر يحتاج إلى إصلاح وتوجيه، وقد يحتاج إلى عملية فرز وتنقية، بحيث تتخلص مدارسنا من مثل هذه العينات التي تسيء إلى وزارة التربية والتعليم، وتضر الطلاب أكثر مما تفيدهم.
إن المدرسة ليست ثكنة عسكرية لها قوانينها الصارمة التي يجب أن يتعرض من يخالفها لعقوبة قاسية، فإذا كان الهدف العسكري هو حمل العسكريين على الجلد والالتزام بواجبهم المقدس في ظل أحلك الظروف، فإن ذاك الهدف يتحقق في بيئته المناسبة له، أما في المدارس.
وهي التابعة لوزارة تهدف إلى تربية النشء وتعليمهم، فيجب أن تكون البيئة مناسبة لهذا الهدف، وأن تعكس سلوكيات المعلمين والإداريين مع الطلبة المعاني التي تهدف هذه الوزارة لتأسيسها وترسيخها عند الطلاب.
كما يجب أن تكون سلوكيات المنتسبين إلى وزارة التربية والتعليم مرادفة لمعاني الرأفة والإنسانية، قبل أن تكون دالّة على معاني العلم والانضباط التي تفقد قيمتها إن أسيء تقديمها للآخر.
وإلا فما قيمة المصباح الذي ينير لنا طريقنا إذا كان سيتسبب بإحراقنا بنوره؟ ومن ذا الذي يرغب في أن يحصل على نور من مصدر يعرف أنه سيحرقه؟
أعتقد أن هذا هو حال أبنائنا في ضوء بعض الممارسات التي تكشف عنها الصحف اليومية بين الفينة والأخرى من قِبَل معلمين وإداريين هم في حاجة إلى إخضاعهم لدورة تأهيل في التعامل مع الطلاب والطالبات قبل أن يتبوأوا الأماكن التي يشغلونها الآن فعلا.
إن مما يؤسف له أن عددا من المعلمين والإداريين ـ قد يكون عددهم قليلا جدًا، ولكنهم موجودون ـ ينظرون إلى التعليم بوصفه مهنة، أو وظيفة، أو مصدرًا من مصادر الدخل الشهري الثابت، جاهلين أو ناسين .
ـ وربما متجاهلين أو متناسين ـ دورهم الحقيقي، والذي يتمثل في تربية الأجيال تربية صالحة، علميا وأخلاقيا ونفسيا واجتماعيا وفكريا، بحيث تتمكن هذه الأجيال بكل فرد فيها من دخول الجامعة ـ وهي نموذج مصغر للمجتمع الحقيقي ـ والتفاعل مع متطلباتها.
والتكيف مع الجوّ الجديد فيها، دون عوائق من أي نوع، نفسية أو اجتماعية أو فكرية متراكمة خلال اثنتي عشرة سنة دراسية، وهذا يساعد على رفد المجتمع بأجيال قادرة على التعاطي معه، بألوانه وأطيافه المختلفة والمتنوعة، بحيث تكون إضافة حقيقية له، وليست عبئا إضافيا عليه.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com