يخطئ من يعتقد أن انغماس الإدارة الأميركية في المسألة العراقية يعني تهميشاً لاهتمامها الكبير في الملف الإيراني. فرأس جبل جليد الصراع الأميركي مع طهران الآن يتمحور حول الموضوع النووي لكن ما هو في عمق الأزمة يعود لأكثر من ربع قرن.
ولم تنجح الإدارات الأميركية المتعاقبة ولا الرئاسات الإيرانية المختلفة في تذويب الجليد الذي يحيط بالعلاقة بين البلدين منذ سقوط نظام الشاه رضا بهلوي.
وما يميز موقف الإدارة الأميركية الحالية من إيران عن سابقاتها هو وجود استراتيجية «الحروب الوقائية» التي تستبيح استخدام القوة العسكرية الأميركية ضد أي بلد ترى فيه واشنطن مصدر تهديد على الأمن أو المصالح الأميركية، وتحت ذرائع سياسية وإعلامية مختلفة.
فقد وضعت إدارة بوش إيران والعراق وكوريا الشمالية في محور واحد (محور الشر) عقب أحداث سبتمبر 2001 ، رغم التباين الكبير بين أنظمة هذه الدول، ورغم عدم مسؤولية أي منها عما حدث من أعمال إجرامية في نيويورك وواشنطن، بل عدم وجود علاقة أصلاً بين «جماعات القاعدة» وبين أي من حكومات هذه الدول الثلاث !!
وتعلم واشنطن أن «خيط النفط» لا يمكن مسكه فقط من طرف واحد في منطقة الخليج المصدرة والخازنة لأهم مصادر الطاقة العالمية، وأن اختلال معادلة مسك «خيط النفط» بعد سقوط نظام الشاه أدت إلى ابتداع نظرية (الاحتواء المزدوج).
وإلى دعم نظام صدام حسين في حرب مدمرة مع إيران طوال عقد الثمانينات، مع توظيف كبير لأخطاء السياسة الإيرانية تجاه الجوار العربي ولطروحات فكرية وسياسية طغى عليها الطابع الفئوي أو الشعوبي.
وإذا كان عقد الثمانينات قد تميز بدعم واشنطن المباشر وغير المباشر لطرفي الصراع المسلح في الخليج، رغم الاعتراض الأميركي على طبيعة نظامي الحكم في بغداد وطهران، فإن عقد التسعينات كان مرحلة «العزل المزدوج» لهذين النظامين دون الوصول إلى إسقاط أحدهما أو هزيمته لصالح الآخر.
لذلك، كان محتماً الآن التركيز الأميركي على إيران بعدما أسقطت واشنطن نظام صدام حسين ولم يحصل في العراق ما كانت تراهن عليه الإدارة الأميركية من وجود وضع سياسي عراقي يعكس واقع قوة عسكرية أميركية ضخمة على أرض العراق وعلى امتداد حدوده مع إيران.
فإيران استفادت ولم تضعف من حصيلة سقوط نظام صدام حسين، وكسبت نفوذاً سياسياً في العراق، بينما كانت المراهنة الأميركية أن زلزال غزو بغداد سيجعل الأرض تهتز تحت نظام طهران، ولم يحدث ذلك.
في نهاية العام الماضي، وخلال الإعداد لخطاب «حال الاتحاد الأميركي» الذي يعرضه الرئيس في مطلع كل عام جديد، والذي يحمل رؤية لملامح السياسة الداخلية والخارجية القادمة، يبدو أن الإدارة الأميركية قد قررت تسخين الملف الإيراني .
وإعطاءه الأولوية في هذا العام من أجل محاولة تصحيح الخلل الذي حدث في معادلة مسك «خيط النفط»، والانتقال إلى مرحلة «الإسقاط المزدوج» في العقد الحالي بعدما كانت التسعينات عقد «العزل المزدوج» للنظامين في طهران وبغداد.
إن الإدارة الأميركية تراهن الآن على تطوير «سياسة العزل» لإيران إلى حال من الحصار الدولي اعتماداً على موضوع الملف النووي وعلى المخاوف الغربية من نهج الرئيس الإيراني الجديد، مع ترك الاحتمالات مفتوحة أمام استخدام ضربات عسكرية جوية أو صاروخية لكن دون الوصول إلى الغزو العسكري المباشر كما حدث في العراق.
ولقد كان واضحاً في خطاب الرئيس الأميركي عن «حال الاتحاد» وما سبقه ولحقه من تصريحات لأركان الإدارة، بأن الملف الإيراني سيكون القضية الأبرز في شؤون السياسة الخارجية الأميركية هذا العام.
يكفي وصف الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته لإيران بأنها «أكبر تحدٍ استراتيجي» الآن للولايات المتحدة، ليؤكد أهمية الصراع المفتوح حالياً بين واشنطن وطهران واحتمالاته السلبية على كل منطقة الشرق الأوسط.
وهناك تزايد في اهتمام الرأي العام الأميركي بهذا الصراع مع إيران حيث أظهر استطلاع قامت به «مؤسسة غالوب» في الشهر الماضي أن غالبية من الأميركيين ترى في إيران الدولة الأكثر تهديداً لأميركا ويأتي بعد ذلك بمسافة العراق ثم كوريا الشمالية.
الأجواء نفسها تسود أوساط الكونغرس ومراكز الأبحاث والإعلام حيث تزداد المواقف المؤيدة للمواجهة مع إيران. وقد اعتبر العضو البارز في مجلس الشيوخ السناتور جون ماكين «أن ثمن المواجهة مع إيران هو أفضل من ثمن تركها تملك أسلحة نووية»!
وقام الرئيس الأميركي بعد خطابه عن «حال الاتحاد» بجولة على عدة ولايات أميركية لقيادة حملة عن ضرورة إيجاد بدائل للطاقة النفطية ووقف «الإدمان الأميركي» على نفط الشرق الأوسط.
بينما الهدف الحقيقي من هذه الحملة هو تهيئة الرأي العام الأميركي لتصاعد كبير في سعر النفط قد يحدث حصيلة تطورات الصراع مع إيران وتهديد طهران الضمني بوقف تصدير النفط وبتعطيل تصديره عبر مضيق هرمز في حال تعرضها لضربات عسكرية.
إن ارتفاع أسعار النفط سينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي وسيكون ذلك مسألة حيوية في الانتخابات «النصفية» القادمة في نوفمبر، لذلك يمكن فهم حملة الرئيس بوش حول موضوع الطاقة بأنها سياسة استباقية لما قد يثيره المرشحون الديمقراطيون من انتقادات للإدارة بأنها لم تدعم سابقاً الخطط البديلة للطاقة النفطية.
كذلك يمكن أيضاً فهم تصريحات بوش حول ربط موضوع النفط بحرب أميركا على الإرهاب وبضرورة الحفاظ على دور أميركا القيادي للعالم.
أيضاً، فإن تصعيد الموقف الأميركي من إيران، كان عاملاً مهماً في زيارة الرئيس الأميركي لكل من الهند وباكستان، وفي سعي واشنطن لتطوير الطاقة النووية الهندية من أجل إبعاد نيودلهي عن طهران ولتأجيل مشروع أنابيب الغاز الإيراني الممتد عبر باكستان للهند.
أيضاً، كان الملف الإيراني هو القضية الأبرز في الجولة الأخيرة للوزيرة رايس بالمنطقة العربية حيث تقوم الاستراتيجية الأميركية على فك الارتباط العربي مع إيران، وعلى فك الاشتباك بين القضايا العربية الساخنة وبين شرارات اللهيب الأميركي حول طهران.
فالإدارة الأميركية تستخدم أسلوب «الترهيب والترغيب» مع حلفاء إيران بالمنطقة العربية إضافة إلى الضغط الأميركي على عموم بلدان المنطقة من أجل تجميد العلاقات مع طهران إن لم يكن وارداً الآن تبني الموقف الأميركي منها.
فواشنطن تأمل بأن وصول «حركة حماس» لموقع مسؤولية السلطة الفلسطينية سيجعل الحركة أكثر واقعية بحكم علاقاتها الجديدة مع المجتمع الدولي وضرورة تجنبها لمعارك تضر بها وبالفلسطينيين إذا ما تأزمت الأوضاع الإيرانية أكثر مع واشنطن.
وواشنطن تراهن على تحييد «حزب الله» من خلال تداعيات الأوضاع السياسية في لبنان وإمكانية نقل موضوع «مزارع شبعا» إلى مجلس الأمن واستصدار قرار يؤكد لبنانية المزارع وضرورة انسحاب إسرائيل منها .
وإرسال قوات دولية ( ربما تكون فرنسية بمعظمها ) لتتولى مع الجيش اللبناني الحفاظ على الأمن في المناطق الحدودية، وبالتالي ضمان عدم استخدام إيران لعلاقتها الخاصة مع «حزب الله» في فتح جبهة عسكرية ضد إسرائيل من خلال جنوب لبنان.
كذلك تعمل واشنطن على تحييد النظام السوري في جبهة صراعها المفتوحة الآن مع إيران، وتترقب واشنطن موافقة دمشق على الخطوات السياسية والأمنية المطلوبة في لبنان، وعلى تبني سياسة «الحياد» في الصراع الأميركي ـ الإيراني.
أما في الشأن العراقي، فإن التصريحات الأخيرة للسفير الأميركي في بغداد، تصب كلها في إطار محاولة بناء وضع سياسي جديد لا تكون فيه لإيران أرجحية التأثير في القرار العراقي وكتمهيد لإجراءات أمنية وسياسية تخفف ثقل النفوذ الإيراني في العراق.
وبدون شك، ستستفيد الإدارة الأميركية في صراعها المتصاعد مع إيران، من ازدياد حدة المشاعر المذهبية السائدة الآن في العراق، لأن ذلك يحد من امتداد التأثير الإيراني في جواره العراقي، كما يساهم في مشروع عزل إيران عربياً وإسلامياً.
وإذا كان ممكناً تحليل وتفسير الرؤية الأميركية للمنطقة وللصراعات القادمة فيها، من خلال قراءة متأنية لجملة مواقف رسمية أميركية كان أبرزها خطاب بوش عن «حال الاتحاد الأميركي»، فإن «حال الانقسام العربي»، وغياب «الرؤية العربية المشتركة» لمستقبل المنطقة، يجعل من التطورات القادمة مشرعة على كل الاحتمالات!
مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن
alhewar@alhewar.com