المدنية هي الشكل الأكثر تطوراً للتجمعات الإنسانية عبر التاريخ، وكلما ارتقى الإنسان وتطور وتحضر وأصاب حظاً من الرفاه والغنى، كلما انعكس تأثير ذلك على مستوى الخدمات التي تقدمها المدن لسكانها وزائريها ..

ونحن اليوم في الإمارات نعيش في دولة متقدمة اقتصادياً ورفاهياً بحسب المقاييس العالمية، لكن خدمة هي الأهم ربما نكاد نعجز عن توفيرها بالشكل الأفضل، وأخشى أن أقول إننا نعجز حتى عن إيجاد أسباب تعثرها وبالتالي الوصول إلى الحلول المثلى لها، لكنها الحقيقة .. إنها مشكلة الطرق وازدحام الشوارع!!

وبحسب دراسة تناولها د. كمال أمين في برنامج المجلة الاقتصادية الذي يذاع على قناة «انفنتي» يذكر ان الولايات المتحدة حين درست مشكلة الازدحام وأسبابه وجدت ان هذه المشكلة تكلفها ماقيمته 100 مليار دولار سنوياً.

وان مدينة واحدة فيها فقط تخسر ما قرابته 7 مليارات دولار بسبب هذه المشكلة .. فكم نخسر نحن في الإمارات يا ترى، هذا اذا ما وجدت دراسة من هذا النوع؟

الدكتور كمال أجرى دراسة أو لنقل حسبة افتراضية، مفترضاً ان القوى العاملة في الإمارات في حدود المليونين، وان 50% منهم فقط يعانون مشكلة الزحام، وعلى اعتبار أنهم يخسرون ساعتين كوقت ضائع على الطرقات.

وعلى اعتبار ان متوسط دخولهم هو خمسة آلاف درهم فقط، فإن الإمارات في هذه الحالة تخسر 15 مليار درهم سنويا، أما إذا أضفنا التكاليف الأخرى التي يخسرها الفرد والمجتمع جراء الزحام فإن المبلغ قد يصل إلى الضعف أي 30 مليار درهم!!

الآن لنسأل هذه الأسئلة: كم يستهلك الواحد منا من الوقود شهريا في الحالات العادية من دون زحام؟ وكم تصل الكلفة من الوقود في حالات الزحام؟ ما تأثيرات استخدام السيارة في شوارع مزدحمة؟

ما تأثيرات الزحام على نفسية وأعصاب السائقين الذين هم في النهاية موظفون وعمال في الدولة؟ كيف تتأثر الأعمال والصفقات بسبب الزحام؟ كم موعد يؤجل وكم صفقة تطير؟ وكيف ينعكس كل ذلك على الاستثمار والسياحة والترويج؟ في النهاية كيف تتأثر الأسواق والسلع والحياة في مجملها العام؟

بلا شك فإن الآثار التي يتحملها المجتمع كبيرة جداً، وتلك التي نتحملها نحن كمستخدمي طرق أكبر، وكل ذلك تترجمه الأرقام على شكل خسائر وخسائر فادحة سواء على المدى القريب أو البعيد، لكن الخسارة الأولى التي بدت ملحوظة أكثر من غيرها هي تلك التي ظهرت في سلوك السائقين الذين صاروا يتعاملون في الشارع .

وكأنهم في معركة كل منهم يريد ان ينتصر ليفوز بتجاوز زميله أو اختطاف مكانه أو عدم إعطائه فسحة ليغير مساره، أنانية وعصبية، وسلوكيات غير حضارية على الإطلاق، افرزها الزحام الذي زاد عن حده حتى صار مشكلة تبدو وكأنها بلا حل!!

نتمنى من الإخوة في هيئة الطرق، ان يبحثوا في جذر المشكلة لان معرفة السبب تسهل كثيراً وضع الحلول، أما ان تعود للتخبط ذاته في معالجة مشكلة كانت حالة، ثم صارت أزمة ثم تحولت إلى ظاهرة مزمنة في شوارعنا، فذلك لن يقود إلى نتيجة .. لابد من إعداد فريق بحث متخصص يدرس أسباب المشكلة الحقيقية.

وأبعادها وخسائرها ومن ثم وضع الحلول والبدائل .. وفي الحقيقة فإن الحلول كثيرة وقطار دبي الذي شرعت حكومة دبي في تنفيذه واحد من هذه الحلول الجيدة!

sultan@dmi.gov.ae