تحدث في عالم السياسة أمور يمكن تصديقها من الناحية النظرية أو السياسية ولكن يرفضها العقل والمنطق. هذا بشكل عام.
أما في سياسة العصر الذي نعيش فيه، فالأمر مختلف تماما. فلم تعد هناك في وقتنا الراهن (سياسة) بالمعنى الراقي والمتعارف عليه للكلمة التي انحرفت فجأة لتأخذ شكل الابتزاز والضحك على عقول الناس الأسوياء،.
وللأسف دون محاولة (السياسيين) المخضرمين البحث عن لفظة أخرى تتماشى مع المعنى المعاصر للعلاقات التي تحكم الدول فيما بينها. وكلمة سياسة في اللغة العربية لا تقابل مطلقا معنى الكلمة في اللغة اللاتينية.
فكلمة (Politic) مأخوذة من اللاتينية (Politicus) وهذه الأخيرة مأخوذة عن الإغريقية: (Politikis). وكما نعلم فإن كلمة (Poli) تعني في اليونانية (الكثرة الكثيرة) أو (المدينة) ـ لأنها تحتوي على عدد كبير من الناس:
كمدينة بيرسو بولي (مدينة الفرس)، وتريبولي (مدينة طرابلس) والكسندروبولي (مدينة الاسكندر) إلخ. أي أن كلمة السياسة في الأصل الإغريقي تدل على الأمور والأخبار التي تخص المدينة. ولا نعرف كيف ترجمت الكلمة إلى العربية.
على أية حال، فإننا في حاجة إلى (سياسة) ـ حتى ولو لم تكن نظيفة مئة في المئة، فعلى أقل تقدير لا تستخف بعقول البشر. خاصة وأن العالم بلغ من العلم مستوى لم تصل إليه البشرية من قبل. ولم يعد القارئ والسامع والمشاهد أينما وجد وأينما كان جاهلا بما يدور ويحاك حوله حتى ولو بات أميا لا يقرأ ولا يكتب.
ولو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر مثلين أو ثلاثة فلربما أدركنا كيف تحولت السياسة إلى ضحك جاهل وواضح على منطق العقلاء!
وعندما نريد أن نضرب مثلا في السياسة العالمية المعاصرة فإننا لا نستطيع البدء دون الإشارة إلى سياسة القوى العظمى في تعاملها مع القوى الأقل عظمة منها. أما الدول الضعيفة فهي لا حول ولا قوة لها سوى الانصياع لسياسات الدول الكبرى.
أولا: لنتصور أنه في مقابل غزو الولايات المتحدة الأميركية للعراق وأفغانستان والتحضير لغزو واحتلال سوريا ولبنان تحت (بند) مكافحة الإرهاب الدولي، قام الاتحاد السوفييتي بتهديد لغزو واحتلال الولايات المتحدة الأميركية بدعوى مكافحة الإرهاب نفسه الذي نادت به هذه الأخيرة، ترى كيف ستكون ردة الفعل الأميركية؟
والحقيقة أن الاتحاد السوفييتي والعالم بأجمعه يملك كل المبررات الحقيقية مقارنة بتلك التي اختلقتها الولايات المتحدة الأميركية ضد أفغانستان والعراق، والتي تخوله في القيام بمثل هذا العمل العسكري ضد الولايات المتحدة الأميركية.
فتاريخ أميركا الحربي والعسكري منذ غزو فيتنام (تلك الدولة الصغيرة البعيدة الواقعة في جنوب شرق آسيا التي لم نسمع قط أنها هاجمت أو حتى قتلت مواطنا أميركيا واحدا سوى أنها ربما تبنت نهجا مخالفا لأميركا) مرورا بأفغانستان (تلك الدولة التي دعمتها واشنطن لطرد الاحتلال السوفييتي ثم انقلب السحر على الساحر).
وأخيرا العراق (التي فقدت الملايين من أبنائها نتيجة الحصار والقصف بالأسلحة الكيميائية الأكثر تطورا والأكثر فتكا في التاريخ وأمام صمت العالم وبتفويض (شرعي) حصلت عليه الولايات المتحدة الأميركية من مجلس الأمن بطريقة خاصة جدا)، إن مجرد هذه التهم الثلاث فقط دون الدخول في التفاصيل الدقيقة لكل منها .
ومن بين آلاف التهم الأخرى التي قد توجه إلى الولايات المتحدة الأميركية سيكون كافيا لتصبح الولايات المتحدة الأميركية في نظر السياسة الأميركية نفسها: راعية للإرهاب الدولي منذ قديم الزمان!!
ويحق بالتالي للولايات المتحدة الأميركية أن تهاجم وتغزو وتحتل نفسها من هذا المنطلق! (حيث أننا نتحدث بطريقة السياسة الحديثة: الضحك على عقول الأصحاء).
ثانيا: كيف نفسر أن دولة (كإسرائيل)، برزت إلى الوجود فجأة وتحديدا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين وبعد أن تم الانتهاء من رسم الحدود الدولية بشكل نهائي، جاءت تطالب برسم حدود جديدة لدولة جديدة ستقام على أرض لم تكن في يوم من الأيام ملكا لهم.
وتقوم لأجل تحقيق مرادها بكل أنواع الإرهاب الدولي من خلال طرد السكان الأصليين لهذه الأرض (كما فعل الأميركيون بالسكان الأصليين لأميركا) خارج حدود دولتهم ومصادرة أملاكهم ومزارعهم التي يحميها القانون الخاص والعام والدولي والقضاء عليهم!
بل حتى وبعد التقسيم والاعتراف بها من قبل مجموعة كبيرة من الدول العربية والإسلامية صراحة أو ضمنا، لم تتوان عن ضرب قرارات دول العالم مجتمعة والمتمثلة في الأمم المتحدة بعرض الحائط .
والاستمرار في (سياسة) سرقة أراضي الفلسطينيين التي تبقت لهم قانونا وشرعا تحت عدة حجج لا يقبلها العقل ثم بدأت سلسلة اغتيالات طالت الأطفال والكبار باستخدام نفس الحجة التي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية فيما بعد: حماية الإنسان اليهودي حتى ولو أدى ذلك إلى قتل مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني.
وعلاوة على ذلك، يصبح في نظر دول الغرب المتحضر الشعب الأكثر ظلما في التاريخ هو الأكثر براءة والشعب المظلوم هو الشعب الإرهابي الذي يجب سحقه دون هوادة. وإلى هذه اللحظة تظل هناك الكثير من الدسائس والمؤامرات التي تقف خلفها السياسة الإسرائيلية ومخابراتها تعاونا مع مخابرات دول أخرى متحضرة مثلها(!).
والتي سوف تكشفها الأيام إن آجلا أم عاجلا. وما يحصل في لبنان، وما يحصل في العراق، وما يحصل في سوريا، وما قد يحصل في إيران ليس إلا أمثلة بسيطة لا تحتاج إلى عبقرية سياسية للتوصل إلى معرفة من يقوم بتسييسها.
ثالثا: هناك معايير وقيم أخلاقية إنسانية عالمية لا يختلف عليها اثنان. وتنطبق على الفرد مثلما تنطبق على الشعوب والدول. ولا يجر الدفاع عن المصالح القومية لشعب من الشعوب إلى بيع تلك القيم الإنسانية بأبخس الأثمان، خاصة من قبل دول كبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا...
وإلا دل ذلك على الانحطاط الإنساني بكل المقاييس: وعلى رأس تلك القيم: العدالة والصدق والاعتراف بالخطأ. وإذا سلمنا بواحدة من هاتين الخلتين الأساسيتين في تشكيل الكرامة الإنسانية، ترى كيف نفسر تصرفات الدول التي تطلق على نفسها حرة وعظمى ومتحضرة بلجوئها إلى النفاق والابتزاز والكيل بمكيالين؟
فكيف نفسر تبرير وجود معتقل غوانتانامو والتعذيب الذي يلاقيه الموقوفون فيه على ذمة التحقيق وما حصل في سجون العراق على يد ضباط من الجيش الأميركي بينما تتهم الولايات المتحدة بعض الدول النامية الصغيرة بوجود معتقلات سياسية فيها بما يتنافى مع حقوق الإنسان؟
وكيف نفسر دعم الاتحاد الأوروبي لإسرائيل رغم كل التصرفات اللا إنسانية واللا أخلاقية وغير القانونية التي تمارسها ضد الشعب الفلسطيني بينما ترفض الدعم السوري أو الإيراني لحركات التحرر الشرعية في لبنان وفلسطين؟
وكيف تنكس رأسها خجلا أمام الترسانة النووية الإسرائيلية المتعاظمة يوما بعد يوم بينما هي تتأهب للانقضاض على إيران لأنها تقوم بتخصيب اليورانيوم للأهداف السلمية حتى ولو كنا جميعا ضد مثل تلك الاختبارات؟
وكيف نفسر دعوة الغرب المستمرة إلى تطبيق مبدأ الديمقراطية في الدول الإسلامية وعندما تطبق بكل نزاهة ويفوز أحد الأحزاب (الذي لا تعجبها مبادئه)، تقف تلك الدول المتحضرة ضد إرادة ذلك الشعب؟
وهناك أمثلة عديدة تدل على أن كلمة (سياسة) المرتبطة دائما بالتصرفات والسلوكيات الذكية للدول فيما بينها قد فقدت في السنوات الأخيرة بريقها وعمقها ومصداقيتها خاصة بعد سقوط بغداد! وهناك حقائق مرة وفاضحة ومخزية ولكنها غير معلنة، ولعب الإعلام الغربي إما في كتمها أو في تحريفها أو تزييفها..
وكلنا يريد أن يعرف من الفاعل الحقيقي لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، ومن ترى يقف وراء تفجيرات العراق الحالية لإثارة الفتنة الطائفية فيه وخلف مقتل علمائه وأساتذته اللامعين؟ ومن كان وراء اغتيال رفيق الحريري؟ ومن ومن ومن...
وعندما تنكشف الحقائق في يوم من الأيام سيكون الوقت متأخرا إلى أبعد الحدود...
جامعة الإمارات