في غضون السنوات القليلة الماضية، ومع تنامي ظاهرة ارتفاع الصوت المنادي بتوطين وظائف القطاع العام والمؤسسات الحكومية التابعة للحكومات المحلية في كل إمارة، ومع نمو أعداد المواطنين في الإدارات العليا، بدأت ثقافة غريبة تطفو على السطح، ثقافة الحديث الهامس حول سلبيات المؤسسات وحول التجاوزات التي ترتكب بحق كثير من الشباب المواطن في هذه المؤسسات!!

الحديث الهامس هذا غالباً ما يصل إليك حيثما كنت، وحيثما تنقلت بين مكاتب ومرافق المؤسسات. وبعد نهار كامل، تكتشف بأنه صار بين يديك ملف كامل من الحكايات والقصص عنوانها الرئيسي التجاوزات والفساد، وأبطالها أشخاص من داخل المؤسسة، تآلفوا وتجمعوا على شكل «لوبي» مصالح يدافع عن نفسه ومصالحه بكل الوسائل والطرق، مهما كانت درجة قسوة هذه الوسائل وشراستها، أما الضحية في النهاية فهو الموظف البسيط وهو العمل والمؤسسة ودرجة الثقة بينها وبين موظفيها!

كنت في زيارة لأكثر من مؤسسة، خلال الأسبوعين الأخيرين، والتقيت أعداداً من الموظفين، كل على حدة، وتلقيت ملفات وأوراقاً ومحادثات هاتفية، وفي كل مرة كنت أعرف أن هناك شاباً أو فتاة مجمدة في هذه المؤسسة أو تلك، واستغرب حين أعلن أنه ما من أحد إلا ويشهد لك ويحلف بأغلظ الأيمان بأن ذاك الشاب المجمد أو تلك الفتاة المهمشة كانا من أفضل الموظفين في المؤسسة وأكثرهم عطاء وإخلاصاً وتفانياً، والأهم أنهما الأكثر فهماً لأصول العمل وآلياته وقوانينه، إذن فلماذا يتم تهميش هؤلاء؟

ستأتيك أكثر من إجابة، لكن الإجابة التي ستصدمك بالفعل تأتي حين تسمع من يقول: «لأنه أو لأنها لا تحب الحال المايل، يعني لا ترضى بالخطأ والتجاوز» وهنا تكون الطامة الكبرى، فلأنه عارض أو عارضت الخطأ، وامتنعت أو امتنع عن المشاركة فيه، ولأنها تجرأت أو تجرأ على رفع الأمر لأعلى المستويات، ولأنها تحدثت بصوت عال، فإن «لوبي المصالح» يجتمع ويقرر وضع حد أو نهاية لهذا النوع غير المرغوب فيه من الموظفين الغيورين المخلصين. وللأسف فهذا ليس خيال كاتب أو كاتبة، لكنها ظاهرة حقيقية موجودة في أروقة ومكاتب بعض المؤسسات!

لقد نقل أحد الموظفين المواطنين من أصحاب الحرفية العالية والخبرة الطويلة، من إدارته إلى إدارة لا يتماس معها بأي صلة، ولا يفقه شيئاً في أصولها وفنياتها، ولا يهم لدى الإدارة إذا كان يؤدي فيها عملاً أم لا يؤدي، المهم أنه استبعد من إدارته لتعطى لمجموعة من الموظفين الذين يعيثون فيها فساداً، ينفقون الأموال بلا إيصالات، ويشترون ما يحلو لهم بلا سندات ولا مساءلة من أحد!

ولأن الحديث بصوت عال قد يقود إلى ما لا تحمد عقباه، يلجأ الموظفون في كثير من المؤسسات للصحافة كثقافة للاعتراض همساً!

sultan@dmi.gov.ae