لعل من أخطر نتائج الاحتلال الأميركي للعراق إلغاء مرجعية المواطنة واعتماد المحاصصة الطائفية والإثنية بديلاً عنها، وسواء قصد المحتل الأميركي ممثلاً ببول بريمر ذلك أم لم يقصد، فقد أسس لمرجعية جديدة وأوجد ظروفاً جديدة سلبية خلال ثلاث سنوات يحتاج العراق عشرات السنين ليتخلص منها، وإذا زرعت هذه البذرة في بلدان عربية أخرى، فقد تتحول الأمة العربية إلى طوائف وشيع وإثنيات متناقضة تختلف على مرجعيتها الوطنية ومرجعيتها القومية، وتذهب أدراج الرياح ما عمل له النهضويون العرب والحركات القومية والوطنية والليبرالية العربية خلال قرن ونيف، مما يعيق ليس فقط بناء الدولة الوطنية الحديثة بل يحوّل شعار الوحدة العربية أو مفهوم القومية العربية ليصبح مهزلة وصوتاً نشازاً لا يقبله أحد ولا يستمع إليه أحد، وقد يوصل النهضويين العرب إلى درجة الخجل من نشر أفكارهم أو النضال لأجلها.
مهما اجتمع قادة الأحزاب والحركات السياسية العراقية وممثلو المرجعيات الدينية والمذهبية وتداولوا وتباحثوا واستنكروا العنف والصراع ودعوا إلى الوحدة والحوار، فإن هذا لن يجدي نفعاً إلا إذا كان جاداً ومسؤولاً ومعزولاً عن المصالح لأن ما تأسس قد تأسس وأطلق العنان للغرائز وأعاد الناس إلى عصور الانحطاط، وأخذ كل يجد نفسه في طائفته وعشيرته ومنطقته الجغرافية، ولم تعد مفاهيم المساواة وتكافؤ الفرص والحوار والتعددية وقبل ذلك مفهوم المواطنة تفيد أحداً أو يهتم بها أحد، فقد تحول المجتمع العراقي إلى طوائف وقبائل وفرق ونسي أو أنساه السادة الأميركيون مفهوم المواطن الفرد الحر المتساوي مع إخوانه المواطنين مهما كانت معتقداته الدينية أو انتماؤه الإثني أو توجهه القومي.
إن ما جرى في العراق يعمق الشروخ والانقسامات التي خلفتها عصور الانحطاط ويطلق العنان للغرائز وللدهماء، لتفجر مساجد وبيعاً وأماكن عبادة، وتقتل على الهوية، وتتناسى حرمة دم المواطن بل دم الإنسان وقتله بغير الحق، وفي الحال العراقي فإننا نلاحظ أن حرباً أهلية جديدة على وشك الاشتعال ثانية بعد ألف وأربعمئة عام، فهل هناك في التاريخ حرب أهلية مثيلة لم تنته بعد كل هذا الزمن إلا في بلادنا، وربما يعود ذلك للتطرف والتفسير السياسي للدين وتسييسه، وتسخيره لخدمة هذا الفريق أو ذاك، ظالماً كان أم مظلوماً، وإبعاده عن مراميه السامية وقيمه العليا وأهدافه العظيمة التي جاءت لتحقق خلاص الإنسان، (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).
لن يربح أحد بالتأكيد من تسعير الخلاف الطائفي في العراق، وسيخسر المسلمون والمسيحيون جميعاً على مختلف طوائفهم من تفجير معابدهم والإساءة إليها، وقبل ذلك وبعده فإن أبناء الطوائف جميعها سيطاولهم داء التطرف والاحتقان الطائفي والتعصب أو زيادة التعصب وسيرون عدوهم في مواطنهم وشريكهم في الدين أو في الإيمان وفي الوطن، (وظلم ذوي القربى أشد مضاضة) ويتناسون العدو الرئيسي وهو الاحتلال وفقدان الأمن واستمرار المصائب والرزايا والبؤس والشقاء والدماء التي تسيل والمستقبل الأسود الذي ينتظر الجميع.
قالت الإدارة الأميركية أنها احتلت العراق من أجل الحريات والتعددية وإقامة نظام حكم ديمقراطي على أنقاض النظام الديكتاتوري السابق، بما يحقق كرامة العراقيين وأمنهم وسيادتهم، والحال أنه بعد سنوات ثلاث لم يتحقق شيء من هذه المزاعم بل خسر العراقيون أمنهم وحيواتهم وخبزهم وعملهم وحاضرهم وربما مستقبلهم لصالح (الفوضى البناءة) و(الشرق الأوسط الجديد) والمصالح الأميركية (والإسرائيلية) حيث استباحت الاحتكارات الأميركية نفط العراق وأموال الإعمار ومازالت تستبيحها دون رقيب أو حسيب.
لقد بذرت البذرة الخبيثة الآن في العراق، ولم يعد التكاذب والمجاملة والتدليس تنفع في لأم الجرح وإعادة الأمور إلى نصابها، إنما يحتاج الأمر مواقف مسؤولة من القوى السياسية العراقية والعربية ومن الأنظمة السياسية العربية أيضاً، ومن النظام العربي القديم والجديد والمستجد، واعتبار مخاطر الطائفية والمذهبية والمحاصصة هي الخطر الرئيسي الداهم على الجميع، وحفز القوى الوطنية كلها وتوحيد إمكانياتها لمواجهة هذا الداء الذي يهدد بنية الأمة ونسيجها الموحد وحاضرها ومستقبلها، وتحويل الجهود من مجاملات وخطب تستهين بالخطر واجتماعات تلفزيونية مظهرية، ومواقف فيها من النفاق أكثر مما فيها من الجدية والمسؤولية ومحاولات فردية أو ثنائية إلى موقف جماعي حازم جدير بدرء المخاطر وإطفاء فتيل الانفجار.
قد لا يكون الأميركيون توقعوا النتائج المرة لاحتلالهم وسلوكهم بعد الاحتلال وتأسيسهم للورطة التي هم فيها الآن، (رغم نفيهم أنهم في ورطة وزيادة تصريحاتهم عن النجاحات والانتصارات والتقدم الذي يحققونه) وقد لا يكون أمراء الطوائف أو زعماء الأحزاب يريدون أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن، فمصالحهم أعمتهم عن الرؤية لأبعد من أنوفهم، وقد يكونون هم الذين ساهموا بخلق هذا الحال مفترضين أنه سيعود عليهم شخصياً وعلى مؤسساتهم بالخير والمال والنفوذ، ولكن واقع التطورات ينذر الجميع بأن نبتة الشر قد زرعت، وأن مصالح الجميع في مهب الريح، إن لم يعودوا إلى رشدهم ليس بتبادل الكلام المعسول والمجاملات وإنما بالمواقف الحاسمة التي تنطلق من نسيان المصالح الذاتية والعمل الجاد لإعادة بناء لحمة المجتمع العراقي والشعب العراقي، وخلق الظروف الصحية والصحيحة في العراق ليكون عراقاً أبناؤه كلهم مواطنون أحرار ويكونوا أفراداً متساوين لا أبناء تجمعات طائفية أو مذهبية أو إثنية أو غيرها.
إن الخطر يحيق بالبلدان العربية كلها وليس بالعراق فقط، وهذا يتطلب ـ مرة أخرى ـ من قادة الأحزاب السياسية العربية والمرجعيات الدينية العربية (على مختلف مشاربها) وأنظمة الحكم العربية أن يعملوا معاً وبسرعة وإخلاص لإطفاء النار العراقية وتفادي انتقالها إلى البلدان المجاورة، لأن مجتمعاتنا جميعها مهددة بوصول الوباء إليها، وجميعها معنية بمقاومته، ولا ينفع في صد الخطر لا الصراخ الإعلامي ولا التصريحات المستنكرة إذ لابد من وقفة شجاعة تدرك الشر المستطير وتعمل على وأده في المهد.
لا يحق لأي عربي فرداً كان أو مرجعية دينية أو سياسية أن يقف متفرجاً على الحريق، بل من واجب الجميع على مختلف إيديولوجياتهم وطوائفهم أن يهبوا لإطفائه، لأن الكل مهددون إن لم يكن اليوم فغداً.
كاتب سوري