على الرغم من أن مفهوم الثقافة مفهوم يختلف تناوله أحيانا من شخص لآخر، إلا أن معظم المعنيين بهذا الشأن يعرفون أنه حين الحديث عن الثقافة فإن المقصود بذلك هو النسيج الذي يشكل الكثير من تفاصيل حياة الإنسان اليومية ونشاطاته، وأنها مرتبطة ارتباطاً كبيراً بأشكال تعبير الإنسان عن نفسه وعن ذاته وعن علاقته بالمحيط البشري والطبيعي الذي يعيش فيه. فالإنسان يعبر عن ذاته وهو يعمل،

وهنا ظهرت لدينا بعض أنماط الفنون المرتبطة بالعمل كغناء البحارة في رحلاتهم للغوص، والإنسان يعبر عن ذاته وهو يسعى إلى إقامة العلاقات مع الآخرين، وهنا أيضا ظهرت لنا أشكال تعبيرية مرتبطة بمثل هذا النشاط كالشعر والحكايات وغيرها، والإنسان يعبر عن ذاته حين تواجهه التحديات، وهنا ظهرت أنماط الفنون المرتبطة بالحرب وبالصراعات، والإنسان يعبر عن ذاته حين يشعر بالفرح، وهنا أيضا ظهرت لدينا أنواع أخرى من الفنون،

والإنسان يعبر عن ذاته حين تمسه الحياة بشيء من الألم أو الأسى، وهنا ظهرت لدينا أنواع من الفنون التي ارتبطت بأشكال تعبير الإنسان عن القهر والألم، كبعض الأغاني التي عبر عنها في فنونهم الأشخاص الذين تعرضوا للمعاناة جراء التمييز أو الاقصاء أو أبيات الشعر التي حملت معاني الألم والأسى، سواء جاء هذا الألم والأسى نتيجة لمعاناة شخصية أو لضيم عام.

كل هذه الأشكال من التعبير كانت، وبعضها ما زال موجوداً لدينا. غير أنه، ولكون الثقافة هي نتاج واقع الحياة اليومية ولا تنفصل عنه، فنحن ندرك أيضا أن الكثير من مظاهر حياتنا الثقافية وأشكال تعبيرنا عن أنفسنا التي كانت مرتبطة بنا كجماعة بشرية قد بدأت تنحسر وتتغير بتغير أساليب وأنماط الحياة التي نعيشها اليوم.

أي أننا نشهد اليوم اندثار وتغير الكثير من مظاهر حياتنا اليومية التي كنا نعيشها، وبالتالي فإننا نتوقع، أو تحديدا نلمس تغيرا كبيرا في أشكال تعبيرنا عن أنفسنا والتي كانت مرتبطة بنمط حياتنا السابقة، وبالتالي فإن هناك تغيراً في نسيجنا الثقافي متمثلاً في اختفاء الكثير من مظاهر التعبير القديمة وظهور أنماط ثقافية جديدة في حياتنا، وأن هناك أنماطاً ثقافية جديدة ومختلفة قد بدأت بالظهور.

ولأن التغيير أمر لا نستطيع الوقوف في وجهه، بل ربما هو جزء من طبيعة الحياة، لأن الثبات أمر يتناقض مع سنتها، فإننا لا نستطيع أن نوقف عجلة التغيير أو عجلة الزمن، لكننا أيضا نريد أن ندرك ما الذي يحدث في هذا التغيير وما هي مظاهر الحياة التي تندثر وما نوعية تلك التي نستبدلها بها، وكذلك أي نوع من القيم ترتبط بأشكال التغيير المختلفة التي نعيشها وما الذي نتوقعه أن ينتج عن ذلك من تأثير في وجداننا وفي أشكال تعبيرنا عن أنفسنا؟

ولأن هذا الموضوع واسع ولا يمكن استيعابه في مقالة، فإنني أرجو من وزارة الثقافة، وهي المعنية بمثل هذه الشؤون، أن تضع من بين مهامها دراسة الأنماط الثقافية وأشكال تعبير الناس عن أنفسهم الموجودة في هذه البلد وما تحمله من رموز ومعان، وأن تضع التصورات حول أهمية وكيفية المحافظة على ما يمكن الحفاظ عليه من هذه الأشكال، خاصة وأن أنماط التعبير الثقافية هذه هي ما يشكل الجزء الأساس من شخصية الإنسان على هذه الأرض.

ولأن وزراة الثقافة، كما يشير مسماها، هي المعنية أكثر من غيرها بالشأن الثقافي، أي أنها هي المعنية بالنسيج العام الذي يشكل كيان ووجدان الإنسان في هذه الدولة، فإننا ندرك أن حجم المسؤولية الملقاة على وزيرها الشاب ليست بالسهلة ولا بالبسيطة.

لكننا أيضا نتوقع منه، وهو المرتبط بشكل مباشر بالكثير من قضايا الثقافة، وأحد أبناء هذا البلد الملتصقين بشكل كبير بنسيجها الإنساني والوجداني، أن يضع البرامج التي تعزز من دور وفاعلية الوزارة في مثل هذه المجالات، وأن تكون هناك خطط لتعزيز الأنشطة الثقافية وتجذيرها.

ولأننا لا نعلي من شأن نشاط ثقافي معين على آخر، ولأننا نرى أيضا أن الاهتمام بالجانب الثقافي لا يجب أن يقتصر على الأنماط الثقافية الحديثة والتي أصبحت جزءاً من اهتماماتنا الثقافية، كالمسرح والفنون التشكيلية وغيرها، فإننا نرجو من وزير الثقافة الجديد أن يضع من بين أولوياته صيانة النسيج العام للشخصية المحلية وتركيز الاهتمام عليها، لأنها هي التي نلمس في حقيقة الأمر انحسارها وتبددها في التركيبة الإنسانية أو البشرية الموجودة في هذا البلد، وبالتالي تبدد أشكال تعبيرها الثقافية.

ولأن صيانة الشخصية المحلية وحماية نشاطها وموروثها الثقافي هو في الحقيقة الرصيد الإنساني الحقيقي الذي يجب أن نعتني به في برامجنا، فإننا نتمنى أن يأخذ الحضور المحلي حقه في البرامج الثقافية التي تصيغها الوزارة.

ولأن هناك في البداية حاجة ملحة لرصد وتوثيق كل أشكال الأنشطة الثقافية المرتبطة بهذا البلد، فإننا نتمنى أن تتركز الخطوة الأولى في جمع وتوثيق المواد الثقافية التي يتشكل منها نسيجنا الثقافي، وأن يفرغ لهذا الجهد الشباب القادرون والمؤهلون للعمل في هذا المجال.

نتمنى أيضا أن تمد جسور التعاون بين وزارة الثقافة ووزارة التربية تحديدا وأن تكون هناك برامج مشتركة بين الوزارتين، على اعتبار أن وزارة التربية هي المرتبطة بشكل مباشر بالعدد الأكبر من مواطني هذا البلد، سواء كانوا تلاميذ أو عاملين، أي أنها تشكل الأرضية الطبيعية التي نتمنى أن تنطلق منها وتعزز بها برامجنا الثقافية،

كما أنها، أي وزارة التربية أحد المصادر الأساسية لتغذية شخصية الإنسان بالإدراك والمعارف، على أن يكون منطلق هذه المسألة هو الاعتزاز لدى إدارة وزارة التربية بما تشكله ثقافة الشخصية العربية من قيمة وتعزيزها. إذ لا يجب أن نسعى لتعزيز كياننا ونحن ننطلق أصلا من رؤية ترى في الشخصية العربية نموذجا سلبيا يجب تغيير كيانه.

الشخصية العربية، كما نعرفها، هي وعاء للكثير من القيم والمعارف والعلوم والفنون التي أضافت وتضيف للتجربة الإنسانية وتثريها على الدوام، لذا فإن الاهتمام بها وصيانتها مسؤولية يجب أن نضعها دوما أمام أعيننا، ببساطة لأن التخلي عنها هو السقوط في التبعية التي تجعلنا نمشي في دروب البشرية لا كأسياد بل كتابعين، والعرب قالوا قديما «لنا الصدر دون العالمين أو القبر».

جامعة الامارات