استيقظ العراقيون في الثاني والعشرين من فبراير المنصرم، على خبر صاعق، هو تفجير مرقد الامامين، الذي يضم رفات الإمامين علي الهادي وحسن العسكري. ولهذا المرقد أهمية تاريخية وروحية لدى جميع العراقيين، وخاصة الطائفة الشيعية، فهو مرقد إماميهما العاشر والحادي عشر، اللذين احتضنتهما بحنان، المدينة السنية سامراء، منذ ما يزيد على 1200 سنة.
لقد جرت في السابق، وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، عمليات خطيرة كثيرة، نفذها إرهابيون، استهدفت رموزاً ومناسبات دينية، وتجمعات بشرية، خاصة بالطائفة الشيعية، كان الغرض منها، تعميق الشرخ في بنية الشعب العراقي، ودفع طوائفه المختلفة، إلى الحرب الأهلية. إلا إن ما جرى في سامراء، أمر مختلف جداً، فهو استفزاز لا ترقى جميع ما سبقته إليه، من حيث حجم التداعيات، التي يمكن ان تترتب عليه، فجريمة بهذا الحجم، قد تشعل حرباً طائفية. وقد خدمت، ردود الفعل الانتقامية، لتفجير المرقد، مُخطط زج العراق في حرب أهلية، قدر ما خدمته، جريمة التفجير نفسها. فمن الذي يستفيد من الحرب الأهلية في العراق؟.
يعتقد بعض الساسة العراقيين، بأن العناصر التكفيرية المتسللة من خلف الحدود، ومن انضم إليها من العراقيين، في الفترة الأخيرة، هم الذين يقفون وراء هذا الجريمة، بغية تعطيل وإفشال العملية السياسية الجارية في العراق. ومع إن استنتاجا كهذا، هو أحد القراءات المحتملة، لما جرى، إلا أنه ليس القراءة الوحيدة، وربما ليس القراءة الصحيحة. فإفشال العملية السياسية في العراق، هو في الحقيقة، إجهاض لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تخطط الولايات المتحدة له، منذ سنوات عديدة، وهو مشروع، قد لا تكتفي دول عديدة في المنطقة، بالتحفظ عليه، وإنما تسعى إلى إفشاله.
إن ما يجري في العراق، منذ دخول قوات الاحتلال، تدمير مُنظم للبلد، تناول أولاً البنية الاقتصادية، بدءاً بعمليات السلب والنهب، في الأيام الأولى، التي أعقبت الاحتلال، واستمر في إلحاق المزيد من الأضرار بها، وخاصة قطاعات النفط والكهرباء والماء. كما تناول جانباً آخر لا يقل أهمية، عما ذكرناه، وهو إضعاف مستوى الأداء المهني العراقي، في مختلف القطاعات، عن طريق تصفية الكفاءات، التي تضم أساتذة الجامعات وحملة الشهادات العليا والأطباء المتخصصين والكفاءات الأخرى، سواء بالاغتيال أو الإجبار على مغادرة البلد. وفي مقابل ذلك، لم تفلح النخب السياسية، في الوصول إلى صيغة سياسية مناسبة، تأتي بحكومة قوية، قادرة على معالجة المشاكل الكثيرة، التي يعاني منها العراق، في هذه المرحلة الخطيرة. وفي ظل ظروف كهذه، نشأت بيئة تساعد على سيادة الفوضى، وتقود إلى التشرذم، خلف قيادات طارئة، لا تمتلك برنامج وطنيا.
لقد أستبيح العراق، منذ يوم التاسع من ابريل عام 2003، وسقطت الدولة بكامل مؤسساتها، وفتحت الأبواب المشرعة، لدخول من هب ودب، ليروي ظمأه من هذا الجسد الذبيح، ويروي تعطشه للانتقام وتصفية الحسابات، مدفوعاً بأحقاد قديمة، صَنعتها أحداث في الماضي البعيد، وأحقاد أخرى صُنعت في الماضي القريب.
ولو اقتصرت، عمليات الانتقام، على التنفيس عن أحقاد شخصية، ضد هذا الفرد أو ذاك، أو أحقاد سياسية، ضد هذا الحزب أو ذاك، لهان الأمر. ولكن يبدو واضحاً، وبعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، على الاحتلال، ان الانتقام، يهدف إلى أبعد من ذلك بكثير، فالعراق بلداً وشعباً وتأريخاً، ودوراً فاعلاً في المنطقة، هو المطلوب.
الحرب الأهلية في العراق، لو نجح من يخطط لإشعالها، لها أحد مسارين فقط، الأول : عودة الفرقاء إلى التعايش والتوافق، والاشتراك في صناعة القرار، كما حصل في لبنان، والثاني : تقسيم البلد، كما حصل في يوغسلافيا. وفي كلتا الحالتين، قد يتجاوز ضحايا الاقتتال جميع الأرقام المتوقعة. ومن يعرف العراق، لا يرى أي احتمال، لمسار ثالث، يفرض فيه، أحد الأطراف، أجندته على الطرف الآخر.
ومع إن الهدف الرئيسي، لتفجير مرقد الامامين، هو دفع العراق، نحو الحرب الأهلية، تمهيداً لتقسيمه، فهنالك من لهم مصلحة في ذلك، داخل العراق وخارجه، إلا أن هذه العملية، قد تخدم أهدافاً سياسية، لقوى إقليمية، تشعر بالاختناق، ترغب في إبعاد الأنظار، ولو بشكل مؤقت، عن قضايا ساخنة أخرى في المنطقة.
لا شك، بأن الأطراف العراقية، الضالعة بالعملية السياسية، هي المسؤولة، بالدرجة الأولى، عن تردي الأوضاع، إلى هذه الدرجة، فاهتماماتها الضيقة، بالمصالح الحزبية أو الطائفية أو العرقية الضيقة، قد أنساها، بأن ما تسعى إليه، لن يتحقق والجسد الكبير، العراق، مصاب بكل هذه الأورام.
وقد كان للإجماع الذي توصل إليه، قادة الكتل السياسية، مساء الخامس والعشرون من فبراير، على ضرورة التمسك بوحدة العراق، وتحريم سفك الدم العراقي، والإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراءات أمنية أخرى، دور مهم، في تطويق التداعيات الخطيرة، التي أوشكت أن تعصف بالعراق.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae