التفجيرات التي شهدها العراق الخميس الماضي والتي تتخذ طابعا مذهبيا، لأنها استهدفت مراقد ومقدسات شيعية، لم تكن الأولى التي تسير في هذا الاتجاه، بل بدأت في الأسبوع الأول لسقوط نظام الرئيس صدام حسين، ومازالت مستمرة وتنذر باندلاع حرب أهلية على أساس مذهبي يعتقد معظم المتابعين للمشهد العراقي ان بنية المجتمع العراقي الفسيفسائية مهيأة لها تماما، خاصة وان ظروف الفوضى الأمنية والسياسية القائمة في العراق تفتح الباب أمام نشوبها واستمرارها.

وهناك تفسيرات مختلفة حول الجهة التي تنفذ هذه التفجيرات، فهناك من يلقي بالاتهام تجاه أجهزة استخباراتية خارجية ويحدد جهاز الموساد بالذات على أساس ان إسرائيل هي المستفيد الأول من استمرار الفوضى في العراق، وهناك من يحدد أجهزة أخرى تريد إحراج الولايات المتحدة الأميركية، وإفشال وجودها في العراق بما لا يجعلها تقدم على أعمال مشابهة في المستقبل.

وهناك من يلقي بالاتهام تجاه فلول حزب البعث العربي الحاكم سابقا في العراق، وينطلق في اتهامه من معطيات متعددة في مقدمتها ان الحزب الذي سقط حكمه يريد الانتقام من إحدى الفصائل الأساسية التي لعبت دورا في مساعدة الولايات المتحدة في عمليتها التي أسقطت النظام البعثي، وإضافة بالطبع إلى ذلك تكدير صفو الاحتلال الأميركي في العراق. وبالطبع كل هذه التفسيرات تستند إلى معطيات قوية ومبررات مقبولة، وان كان بعضها لا ينجو من التأثر بنظرية المؤامرة. ولكن اقرب التفسيرات إلى الصحة هو من يلقى بالاتهام تجاه أبو مصعب الزرقاوي وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يتزعمه، ويمارس من خلاله جهوده في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بناء على استراتيجية واضحة.

وإذا كان هناك من يعتقد ان الزرقاوي لا يمكن ان يقدم على ضرب أو تفجير مقدسات دينية شيعية أو سنية، إضافة إلى انه يريد في المستقبل ان يوحد المقاومة سنية وشيعية في مواجهة الولايات المتحدة، وبالتالي فهو لا يمكن ان يعادي حلفاء الغد، فان ذلك الاعتقاد لا يستند إلى قاعدة ثابتة ذات علاقة بالخلفية الفكرية للزرقاوي وموقفه من المنتمين للمذاهب الإسلامية الأخرى، وهنا لابد وان نشير إلى أمرين الأول هو ان للزرقاوي موقف شديد العداء من الشيعية وقد ذكر فؤاد حسين صاحب السيرة الشخصية الموثقة والمعتمدة عن الزرقاوي انه يتخذ موقفا متشددا من الشيعة ويدعو إلى محاربتهم وقتلهم، وهو لا يعتقد انهم من أمة الإسلام وانما هم وفقا لرؤيته خارجين عن الإسلام، بل ويطلق عليهم تسمية الرافضة.

وهو تبنى الهجوم الذي اغتيل فيه محمد باقر الحكيم، زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق يوم 31 أغسطس عام 2003 بمدينة النجف، وحادث تفجير المراسم الحسينية في عاشوراء بمدينتي كربلاء والكاظمية المقدستين لدى الشيعة.وكانت سلطات الاحتلال الأميركية في العراق قد كشفت من قبل عن رسالة وجهها الزرقاوي إلى أسامة بن لادن كشف فيها عن عزمه محاربة الشيعة وقتالهم. وفي هذه الرسالة يؤكد ان الإسلام السني هو العدو الحقيقي للولايات المتحدة، وان الفرق الباطنية وعلى رأسهما الرافضة، قاصدا الشيعة، هي نقاط الضعف في الأمة. وقد توعد الزرقاوي الشيعة بأنه لن يكف عنهم حتى يمتنعوا عن مناصرة الأعداء.

أما الأمر الثاني فهو ان احد ابرز نقاط الخلاف بين الزرقاوي وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن هو موقف الأول من الشيعة الذي يختلف عن موقف الثاني، وقد استطاع الزرقاوي ان يجبر القاعدة على ان تتوحد معه على الأرض في العراق بسبب عملياته الموجعة للاحتلال واستطاعته فرض الفوضى الأمنية هناك. وقد تم ذلك التوحد والاندماج على الرغم من الاختلاف بين الجانبين لان ذلك فتح المجال أمام بن لادن ليوحي للولايات المتحدة بان تنظيمه لم ينته. وقد تم هذا التوحد على الرغم من عمليات الزرقاوي الموجهة ضد الشيعة وهي عمليات على الرغم من التوحد الذي تم لم تحظ بموافقة بن لادن أو مباركته، وهو ما يعني ان الزرقاوي يضع هذه العمليات ضمن أولوياته القصوى وهو يسعى لان يحتل المكانة التي يحتلها حاليا أسامة بن لادن لدى الأصوليين الإسلاميين، أي ان يكون زعيما دوليا لهم.

في هذا السياق يريد الزرقاوي ان يصبح هو الزعيم الأول لدى سنة العراق، وهو يعتقد ان العمليات الموجهة ضد الشيعة، ورموزهم ومقدساتهم، تقربه من هذا الهدف على أساس انها تفتح أبواب الفتن والمواجهات السنية الشيعية، الأمر الذي ينهي تماما أي دور لرجال الدين المعتدلين من السنة أو المطالبين بالحوار فيما بينهم وهو ما يعني ان السنة من وجهة نظره سوف يصبحون كلهم في المستقبل مقاتلين تحت رايته بسبب هذه التفجيرات. ولكن تصورات الزرقاوي لا يمكن ان تتحقق لان تجربة التطورات السابقة ومنذ سقوط النظام السابق أكدت ان مثل هذه التفجيرات تدفع النخبة السياسية إلى المزيد من التوحد وتطلق المعتدلين من السنة إلى واجهة الأحداث على النحو الذي حدث قبيل الانتخابات، وتدفع الشيعة والأكراد وهم مختلفون جذريا إلى المزيد من التقارب والتنسيق، وكل ذلك يدفعه وتنظيمه إلى المزيد من العزلة والانعزال.

كاتب مصري