في موسوعته الجليلة «الجامع لأحكام القرآن» يتوقف مولانا أبو عبدالله القرطبي عند الآية 36 من سورة «الأنبياء» التي تخبر فيها السماء عن أثمن موارد الكون والوجود حين تقول «وجعلنا من الماء كل شيء حي».

يورد المفسر الجليل ثلاثة تأويلات تومئ إليها الآية الكريمة أولها أن الله سبحانه خلق كل شيء من الماء وثانيها أنه حفظ حياة كل شيء بالماء وثالثها أن جعل الخالق من ماء الصلب كل شيء حي.

ونحسب أن في كل هذه التأويلات ـ الاجتهادات ما يؤكد أن نشأة واستمرار الحياة في الكون أمر مرهون بتوافر الماء وإتاحة موارده لخدمة الإنسان الموكل أصلا بعمران الكون. في ضوء هذه البديهيات لا يسع الباحث سوى أن يتابع.

بقلق شديد ـ نتائج الدراسة الصادرة مؤخرا عن جامعة كانساس بالتعاون مع وكالة الفضاء (ناسا) في الولايات المتحدة بشأن التطورات التي استجدت وما برحت تستجد على الكتل والجبال الجليدية في منطقة غرين لاند في شمال الكرة الأرضية.

الدراسة نشرت مؤخرا في مجلة «ساينس» العلمية الموثوقة وحذرت مما وصفته بأنه انزلاق الكتل الجليدية إلى مياه المحيط الأطلسي بمعدلات غير مسبوقة لا من حيث سرعتها ولا من حيث وتيرة حدوثها. ويكفي أن هذه المعدلات تضاعفت في غضون الأعوام الخمسة الماضية.

وإذا كان من المسلّم به أن الأنهار والكتل الجليدية في قطبي الكرة الأرضية عند أقصى شمالها وجنوبها تمثلان في التحليل الأخير مخزونات للمياه العذبة أو مستودعات الاحتياطي الاستراتيجي للمياه المطلوبة لمخلوقات الكرة الأرضية من بشر وحيوان ونبات ـ وبينما يتطلب الأمر فترات زمنية طويلة للغاية من أجل تكوين هذه المساحات والكتل الجليدية.

إلا أن العالم ما برح يشهد منذ عام 1996 ظاهرة خطيرة هي انزلاق صفائح الجليد ـ النفيسة بكل مقياس ـ كي تذوب وتختفي في مياه المحيط وبذلك تحرم العالم من هذا الرصيد الاحتياطي اللازم لاستمرار الحياة.

السبب: هو ارتفاع درجة حرارة الطقس والغلاف الجوي في منطقة غرين لاند في شمال العالم وهو سبب فرعي ناتج أساسا عن ارتفاع معدلات تلوث الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض، الناجم بدوره عن زيادة عوادم وانبعاثات الأنشطة الصناعية في دول الشمال المتقدم من العالم.

ثمة مركز أبحاث ـ أميركي أيضا ـ هو «وورلد ووتش» يحذر من جانبه من زيادة النمو الاقتصادي في أكبر بلدين في آسيا وهما الصين والهند اللتان يرى المركز العلمي الأميركي أنهما على طريق التحول إلى مصاف القوى الاقتصادية ـ الصناعية العملاقة في عالم القرن الحادي والعشرين.

وقد أصدر المركز تقريره السنوي عن «حالة العالم في عام 2006» محذرا من أن «الموارد الطبيعية المتوافرة لحّد الآن لدى كوكب الأرض (ولاسيما موارد المياه العذبة) قد لا تكفي لتلبية ما تحتاجه اقتصادات النمو في الصين وفي الهند من أجل الإبقاء على معدلاتها الراهنة»®.

وفي تصورنا أن مثل هذه التحذيرات ينبغي أن تؤخذ بأقصى قدر من الجدية.. من جانب كل القوى والدوائر المعنية على مستوى العالم بأسره.. وأول خطوات هذه الجدية ما يتمثل في نشر الوعي الجماهيري ـ وخاصة على مستوى دوائر المثقفين والعلماء والمخططين ومبدعي سيناريوهات النمو بشكل عام:

لا مجال هنا للاحتجاج بسيادة الدول ولا بالمصالح الوطنية أو القومية أو الجهوية الضيقة. بل المجال أساسا يتمحور حول الإنسانية بأسرها شراكة الموارد الحيوية التي لا غنى عنها لا لرفاه البشر ولا لمعيشة الترف والدعة والرغد التي يطمحون إليها.. بل لاستدامة الحياة.. مجرد استدامتها عند الحد المعقول الذي يتوخى أبسط الاحتياجات الأساسية اللازمة لكي ينعم البشر بعنصري البقاء والكرامة.

في ضوء هذا المفهوم للشراكة نتعامل مع الدراسة المكثفة الصادرة ضمن سلسلة «أوراق وورلد ووتش» في واشنطن بقلم البروفيسور ساندرا بوستل مديرة مشروع سياسات المياه في جامعة أمهرست.

والدراسة تحمل عنوانا يجسد ما ألمحنا إليه من خشية على رصيد المياه بوصفها أخطر وألزم الموارد الحية في الكون الذي نعيش فيه.. والعنوان هو:الأرصدة السائلة: لا غنى عن تأمين (بمعنى صيانة وضمانة) النظم البيئية للمياه العذبة.

ميزة هذا النوع من المنشورات الموجزة أنه لا يغرق القارئ في عمليات تنظير مسهبة بقدر ما أنه يحوي أفكارا وتحذيرات وتوجيهات تشكل في مجموعها ما يمكن أن نصفه بأنه خارطة طريق للحفاظ على رصيدنا الكوني السائل من الماء..

وفي هذا الإطار تعمد الأستاذة بوستل إلى تلخيص أهم معالم هذه الخارطة في اثني عشر من إجراءات الأولوية التي تعرضها الباحثة الأميركية على نحو يبدأ بجعل حماية مستجمعات المياه الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من سياسة الإمداد بمياه الشرب والتنمية الريفية .

وتدعو إلى إعداد قوائم جرد حصرية بشأن ما تصفه بأنه الوضع الصحي لنظم توافر المياه العذبة في مختلف الأقطار مع وضع ضوابط تحول دون الإفراط أو الانفلات غير المسؤول (بمعنى الإسراف.. الإغداق إلى حد الإهدار) في عمليات استخدام المياه الجوفية (خوفا من استنفادها) فضلا عن حماية الأنهار والبحيرات والآبار من أخطار التلويث أو التغيير البنيوي أو الاستخدامات التي تلحق خطرا محدقا يهدد مواردها المائية.

تدعو الأولويات أيضا إلى زيادة الاستثمارات الموظَّفة لصالح تطوير الأبحاث العلمية التي من شأنها ترشيد استخدامات موارد المياه العذبة ولاسيما في مجال كفاءة عمليات ري المزروعات وزيادة الإنتاجية الزراعية حسب معاملات مساحة الأرض بالنسبة إلى حجم المياه المستخدمة.

وقد تصل الأولويات إلى حد التشجيع على التعامل الاقتصادي مع الاستخدامات المائية بمعنى تسعير المياه المستخدمة في العمليات الزراعية والصناعية وبمعنى اتخاذ كل إجراءات صون الموارد والحفاظ على كفاءتها.

كاتب مصري