لا أحد يعرف أين تقع جمهورية «كاراكوزيا»، لكنها جمهورية موجودة في مكان ما، أو في كل مكان! من هذه البلاد العجيبة خرج أحد المواطنين حاملاً حقائبه متوجهاً الى الولايات المتحدة، لتحط طائرته في مطار جون كيندي في نيويورك.

وهناك وأمام ضباط أمن المطار اكتشف ان هذا الرجل لا يمكنه دخول الأراضي الأميركية لأن الحكومة الأميركية لا تعترف بالنظام القائم في كاراكوزيا، كما لا يمكنه العودة إلى بلاده لأن حرباً أهلية نشبت هناك إثر انقلاب دبرته المخابرات الأميركية، ما جعل البلاد مغلقة أمام العالم.

وحكم على الرجل ان يبقى في قاعات الترانزيت حتى تنتهي الأوضاع هناك، وهكذا كان، لكن الرجل بدماثته وبراءته العجيبة في التعاطي مع الأحداث والأشخاص ولحداثة تجربته مع الأنظمة والإنسان الأميركي أظهر قدراً هائلاً من التعامل الإنساني، لم يعتده الناس هناك، ما جعله يحظى بمحبة وثقة كل العاملين والموظفين في «التيرمينال».

وما جعل مضيفة طيران تقع في حبه، ما جعل ضباط المطار الذين كانوا يراقبونه بواسطة جهاز مراقبة ثبت في جيبه يتوجسون منه، مروجين انه ليس «سوى جاسوس» مع ان الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير!

في إحدى المرات يستدعى الرجل لمكتب رئيس أمن المطار في محاولة للتخلص منه ـ أو لابتزازه، فيطلب منه ان يقول أو يدعي بأنه يخاف إلى درجة المرض من بلاده بسبب أوضاعها ونظام الحكم فيها، وبهذه الحجة سيقوم محام تعينه سلطات المطار بمتابعة حالته أمام إحدى المحاكم، ليستجلب له رخصة لدخول الأراضي الأميركية.

وقالوا له إن هذا هو الحل الوحيد!وأمام هذا اللؤم وكذب ضباط المطار الأميركيين بدا ذلك المواطن البسيط بسيطاً إلى أقصى الحدود، وصادقاً الى درجة لا تصدق، فقد قال للضابط: أهذه هي الطريقة الوحيدة لدخول أميركا؟

وعندما أكدوا له أنها كذلك، أجابهم: ولكنني لا أخاف من كاراكوزيا، إنها بلادي وأنا أحبها، لكنني أخاف من أعمال الشغب والقتل التي سببها الانقلاب فقط.. هل هذه الإجابة الصريحة الصادقة تكفي يا سيدي كما طلبت؟! هكذا سأل المواطن الضابط الكبير، فما كان من الضابط إلا ان ختم على أوراقه بختم: غير مقبول!

إنها ليست حكاية حقيقية، لكنها صيغة مختصرة لفيلم أميركي تحت اسم «تيرمينال» لكنه الفيلم الذي تدور أحداثه يومياً في الجغرافيا العربية، البعيدة والقريبة.. وكلنا في هذه الجغرافيا جمهورية كاراكوزيا، والسعيد من يكون المواطن المقبول، أما من لايزال قابضاً على الجمر فبلا شك سيختم عليه بختم غير مقبول!

sultan@dmi.gov.ae