طفا إلى السطح مؤخرًا الحديث عن العنف الأسري وضرورة التوعية به ومحاولة تجنبه بمظاهره المختلفة، ولكن يبدو أن الحديث كان دائرًا حول العنف الأسري المادي، ولم يتم التطرق ـ صراحة على الأقل ـ إلى الحديث عن العنف الأسري المعنوي أو النفسي، والذي قد يكون أشد ضررًا من العنف المادي.
وإذا كانت ممارسات العنف الأسري المادي معروفة وواضحة، كالضرب المبرح، أو الحبس في مكان مظلم، وغير ذلك مما يمارسه الآباء بقصد معاقبة الأبناء، بإدراك أو دون إدراك للأثر السيئ الذي ستخلفه هذه العقوبات على الابن جسديًا ونفسيًا.
فإن كثيرًا من ممارسات العنف الأسري المعنوي تحتاج إلى بيانها والكشف عنها، لأنها تصدر ـ غالبًا ـ عن الآباء بدوافع مختلفة عن العقاب، كالمحبة المفرطة.
أو الخوف الزائد، أو الحرص على الأبناء، ولكنها في النهاية تؤدي إلى نتائج سلبية أيضًا على هؤلاء الأبناء، خصوصًا من الناحية النفسية. وسأضرب أمثلة على بعض هذه الممارسات.
يعدّ الحرمان شكلاً من أشكال ممارسات العنف الأسري المعنوي، وأقصد به الامتناع عن منح الأبناء شيئًا ماديًا مع القدرة على ذلك؛ أو منعهم من فعل أمر لا يتعارض مع الدين أو العادات -كزيارة الأصدقاء.
والخروج للتنزه أو التسوق بمرافقة الوالدين أو أحدهما..إلخ- سواء كان ذلك المنع بسبب الخوف الزائد عليهم، أو عدم توافر الوقت لدى الوالدين لتلبية رغبات أبنائهم، أو عدم رغبة الوالدين في إفساد أبنائهم بتوفير كل ما يطلبونه لهم، أو غير ذلك.
وفرضُ الأصدقاء من أبناء الأقارب والمعارف يبدو أيضًا شكلاً من أشكال العنف الأسري، إذ إن مثل هذه العلاقات المفروضة قد لا تجد قبولاً في نفوس الأبناء.
ولكن كثيرًا من الآباء لا يتفهمون هذه المسألة، فيفرضون أبناء الأقارب والمعارف أصدقاء على أبنائهم دون مراعاة لنفسياتهم أو لمدى التوافق بين ميولهم وأمزجتهم. وفي المقابل من الممكن أن يحرموا أبناءهم من إقامة علاقات صداقة مع آخرين لمجرد أنهم لا يعرفون آباءهم.
كما قد يُعدّ من ممارسات العنف الأسري المعنوي ـ غير المقصود ـ التقليل من قيمة الأبناء، أو مقارنتهم بغيرهم من أبناء الأقارب أو الجيران، حتى إن كان الدافع من وراء ذلك تحفيزهم وتشجيعهم على أن يكونوا مثل الآخرين، إما في تفوقهم الدراسي، أو في طاعتهم لوالديهم، أو غير ذلك مما يُحمَد في الأبناء.
والتفرقة بين الأبناء في المعاملة تعدّ شكلاً قاسيًا من الأشكال التي يُمارس بها العنف الأسري المعنوي دون قصد غالبًا. وقد تكون هذه التفرقة بسبب مرض أحد الأبناء مما يتطلب عناية خاصة به قد تزيد قليلاً أو كثيرًا على العناية ببقية الأخوة.
أو قد يكون بسبب تفوقه، أو بسبب ترتيبه بين أخوته فيكون الأكبر مثلا، أو الأصغر، فيُعامل معاملة خاصة ومميزة عن باقي أخوته، مما يولد نوعًا من الغيرة بينه وبينهم.
ويمارس بعض الآباء شكلاً أشدّ قسوة من أشكال العنف الأسري ـ دون قصد طبعًا ـ حين يشركون الأبناء في المشاكل القائمة بينهما، إذ يوقعون الكثير من الأذى النفسي على هؤلاء الأبناء من حيث لا يشعرون، ودون أن يدركوا حجم الخطأ الذي يرتكبونه في حق أبنائهم بإشراكهم في مشاكل لا تستوعبها عقولهم الصغيرة.
ومن جهة أخرى قد يقوم آباء آخرون بعمل عكسي، يمكن أن يعدّ أيضًا شكلاً من أشكال العنف الأسري المعنوي، وهو عدم فتح قنوات حوار وتواصل بينهم وبين أبنائهم.
فلا يكاد الوالدان أو أحدهما يتبادلان كلمة مع أبنائهم إلا بين فترات متباعدة، للضرورة الشديدة، دون أن يعي هؤلاء الآباء الأثر السلبي البالغ لمثل هذا الإقصاء النفسي الذي يعيشه الأبناء داخل بيوتهم وبين أسرهم في تشكيل نفسياتهم تجاه والديهم، وفي رسم ملامح علاقتهم تجاه المجتمع من حولهم بجميع تفاصيله سلبًا أو إيجابًا.
ويبدو من استعراض هذه الأمثلة المعدودة من ممارسات العنف الأسري المعنوي الصادر من بعض الآباء تجاه أبنائهم أن الرغبة في اضطهاد الأبناء وتعذيبهم ليست سبب هذه الممارسات، بل على العكس تمامًا؛ فالأسباب غالبًا ما تكون مغلفة بغلاف الحب الشفيف، كالخوف الشديد على الأبناء مما قد يضرهم صحيًا أو أخلاقيًا، أو يؤثر على مستقبلهم.
كما قد يكون الحب والرغبة في تشجيع الأبناء وتحفيزهم سببًا للعنف المعنوي إن أسيء توجيهه؛ فالتهكم بالأبناء لعدم تفوقهم بقصد تحفيزهم للتفوق قد تكون له نتيجة عكسية، تتمثل في الإعراض التام عن الدراسة، خصوصًا إذا شعر الابن بعدم جدوى دراسته، ولم يجد من يبين له فائدتها ولا السبيل الأمثل للتفوق فيها.
وقد يكون السبب هو عدم إدراك الوالدين لحقيقة المرحلة العمرية التي بلغها الأبناء؛ فيكون إعراضهم عن فتح حوارات معهم لإحساسهم أنهم صغار لا يدركون معنى التحاور ولا أهميته، مما يخلق فجوة بين الطرفين.
أو قد يحدث العكس، بأن يظن الوالدان أن أبناءهم قد أصبحوا كبارًا يستطيعون فهم كل شيء، وتقدير حقيقته مهما كانت، فيشركونهم في مشاكلهم وقد يطلبون رأيهم مما يعرضهم لضغط نفسي لا طاقة لهم به.
هذه بعض الأسباب المؤدية ـ دون قصد في رأيي ـ إلى ما يسمى بالعنف الأسري المعنوي أو النفسي، ولا يمكن من خلال مقالة واحدة تتبع جميع مظاهره.
ولا التوقف عند كل أسبابه، ولكنها محاولة للتوقف عند النقاط البارزة في هذه القضية التي تحتاج فعلاً إلى وجود جهة مختصة للتعريف بها.
إذ لا يكفي التعريف بالعنف الأسري المادي، والسعي لتجنبه، بل يجب أيضًا أن يتم التعريف بالجانب المعنوي والنفسي منه ورصد جميع مظاهره في تجلياتها المختلفة، والتشديد من خلال حملات توعية موسعة على أخطاره وآثاره النفسية السيئة على الأفراد والمجتمعات.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com