طبقاً للسنة التاريخية المألوفة عن طبيعة الاجتماع السياسي والقائلة بقوة دفع التجربة الواقعية نحو العقلانية السياسية حيث تكون الخيارات العملية استلهاماً لضغوط الحياة اليومية، ومطالبات الواقع المعيش، سيتعين على حماس إعادة تعريف ذاتها «كسلطة» بديلا لصورتها المعروفة كـ «حركة مقاومة».

غير أن ثمة ضوابط يجب توافرها لنجاح عملية إعادة التعريف هذه حتى لا تؤدي إلى أن تخسر الحركة نفسها بانشقاقها مثلا وتصارع أجنحتها، أو تخسرها حركة التحرر الفلسطيني بضياع ملامحها المميزة لها عن فتح مثلا فتتحول إلى مسخ مشوه لها لا يضيف اليها شيئا.

فطالما جسدت حماس حق النقض أو الفيتو على القرار الفلسطيني المنغمس في عملية التسوية منذ توقيع اتفاقات أوسلو، وقد حافظت طوال ثلاثة عشر عاما على قدر من الغموض البناء الذي أحاط بهذا الفيتو فلم يعرف أحد على وجه اليقين :

هل يطال، وعلى ما يبدو ظاهريا من أدبيات الحركة الفكرية والسياسة، مبدأ السلام أى كل ما ينتمي إلى عملية التسوية انطلاقاً من الحق التاريخي في تحرير كل فلسطين ما بين النهر والبحر، ما يعني عدم الاعتراف بإسرائيل والإصرار على منهج الجهاد المسلح، أم يقتصر هذا الفيتو .

ـ وهو ما تشي به العديد من المواقف العملية والسياسية للحركة على منوال قبولها بالهدنة مع إسرائيل أكثر من مرة لإعطاء المفاوض الفلسطيني ضمن منظمة التحرير ثم السلطة الوطنية فرصة لممارسة خياراته ـ على نوع العملية السياسية الجارية التي تبدت في كثير من الأحيان ولدى أطياف جد مختلفة بل ومتناقضة في مواقعها ما بين المفكر الإنساني الراحل إدوارد سعيد.

والسياسي الفتحاوي البارز فاروق القدومي، وحتى الأكاديمي الإسرائيلي البارز أيضا «إيلان بابيه»، غير مجدية ويستحيل عليها منطقيا بلوغ غاياتها السلمية سواء لأنها تنهض على جغرافيا سياسية محدودة وفقيرة وممزقة لا تصلح موضوعيا لبناء دولة، أو لأنها تأسست على «منطق القوة» الذي فرضته انتصارات إسرائيل العسكرية.

وليس على روح القانون الذي تصوغه الشرعية الدولية وبالأخص قرار تقسيم لعام 1947 ما يعني أن هذا الفيتو الحماسي ينطلق أصلا من «الشرعية القانونية» ويسعى إلى بلوغ السلام العادل والشامل ؟.

غير ان هذا الغموض الذي كان بناء وهي في موقع المعارضة، لم يعد كذلك وهي بصدد الولوج إلى مقعد الحكم، بل صار ضارا وربما مدمرا ومن ثم يجب تجليته، فإذا كان خيار الحركة الفعلي هو الجهاد المسلح وفقط انطلاقاً من الشرعية التاريخية في كامل الأرض الفلسطينية فهنا تثور معضلة حقيقية تفرض تأزمات شتى الوضع الفلسطيني الداخلي.

والوضع العربي المحيط به إذ سوف تبدو الحركة السلطة ضد كل ما يمكن ان يقال عنه إنه يجسد روح الحركة التاريخية المعاصرة ومن ثم فلا مستقبل يرتجى لها سوى الفشل إما عبر الانقسام والشظى العنيف بما ينال من الوجود الفلسطيني، وإما عبر التحلل البيولوجي بذبول أيديولوجيتها وذوبان أنصارها.

وأما إذا كان خيارها الحقيقي هو التسوية العادلة على أساس الحل الوسط التاريخي وعلى أساس الدولتين انطلاقاً من شرعية القانون وليس مرجعية القوة، وهو ما نرجحه، يكون عليها أن تعيد صياغة هذا الخيار ولكن على نحو يضمن عدم تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل، فلا تعلن عن تغيير في مواثيقها، ولا تقدم اعترافاً قانونيا بإسرائيل قبل بدء التفاوض الجاد حول السلام.

وتبلور توافقات حول قضاياه الأساسية، ومن ثم يكون عليها الآن أن تكتفي باعتراف «واقعي» بأن تعلن عن رغبتها في التفاوض الجاد مع إسرائيل لإنجاز سلام عادل وشامل على أساس قرارات الشرعية الدولية.

ولكنها تظل خارج بل وضد العملية الجارية باسم السلام منذ أوسلو لأنها تقوم على التدرج، والمرحلية، والتسويف، والتوريط في التفاصيل والمساومة حتى يكتمل مشروع التهويد والاستيطان بحكم الأمر الواقع.

ومن المؤكد أن عملية إعادة التعريف على هذا النحو، برغم أهميتها الشديدة لوجود الحركة وحيويتها، لا تضمن حل القضية الفلسطينية أو تحقيق السلام بأي حال، إذ تبقى المعضلة الإسرائيلية قائمة وبدرجات تتفاوت حسب اختيار الشعب الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة لمن يقود دفته.

وكذلك المعضلة الأميركية حيث فترت همة الولايات المتحدة عن متابعة دور الوسيط النشط، ثم دور الراعي الرسمي منذ أحداث سبتمبر والى الدرجة التي اعتبرت معا شارون رجل سلام، ومجرد الانسحاب من غزة خطوة كبيرة على طريق التسوية.

والحل أحادى الجانب منهج عملي لتحقيق السلام، غير أنها في المقابل ترمي بالكرة في الملعب الإسرائيلي الأميركي الدولي الذي سارع باتهامها، منددا بوصولها «الديمقراطي» إلى السلطة، ومهددا بقطع تدفقات المال التي تبقي على هذه السلطة حية وقائمة.

كما أنها، وهذا هو الأهم، تعيد تعريف دور حماس في الساحة الفلسطينية نفسها «كقوة معارضة سياسية» من داخل النظام نفسه أو من داخل فضاء المشروعية السياسية وهو تطور يحقق عدة مزايا متمازجة معا، أولها هو تكريس الديمقراطية الفلسطينية داخليا ما يزيد من حيوية المجتمع الفلسطيني ويزيد من قدرته على النهوض بأعباء نموه، وثانيها تأطير التعددية الفلسطينية الواقعية في إطار سياسي يتجاوز كل احتمالات الحرب الأهلية.

والتمزقات الداخلية التي تطل أحيانا كشبح يهدد حركة التحرر الفلسطيني، وثالثها الإبقاء على الفيتو الذي طالما جسدته حماس وهو ما يمثل ضرورة حيوية للنضال الفلسطيني يزيد من قدرته على المناورة داخل عملية التسوية نفسها.

كاتب مصري