يبدو أن النداءات لم تنفع أبداً في مثل هذه الدوامة الصعبة التي طال أمدها.. ولا يدري احد ما الذي ستؤول إليه الأمور بعد أربع سنوات من اليوم.. واعتقد ان الأهوال التي يعاني منها كل العراقيين سوف لن يستطيعوا مقاومتها إلى الأبد.. كان على العراقيين منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق ان يستمعوا إلى صوت الحكمة..
وكان على قوى التحالف والاحتلال ان تدرك بأن للمجتمع العراقي خصوصياته وأساليبه الصعبة التي لا يمكن ببساطة التعامل معها وتطبيق ما تريده وما لا تريد! ولم يزل في العراق أنفاس قوية من اجل إبقاء العراق حيا يرزق..
ولكن من سيكتب تاريخ العراق من الشاهدين الأقوياء أو الإرهابيين الغادرين أو الأعداء الطامعين؟ من سيطوي تاريخ الأحرار الغائبين من أبناء الوطن الحقيقيين؟
لماذا تحرق كل مدائن ما بين النهرين العريقة؟ ما الذي جناه العراقيون اليوم أو البارحة أو منذ آلاف السنين؟ تساءلوا ونادوا معي أيها الشرفاء في هذا العالم : العراقيون: لماذا يسحقون؟
لماذا يدخلونهم حرباً أهلية هوجاء وانتم تصفقون أو تسكتون؟ لقد غدا مصيرهم رهين المحبسين بأيدي المجانين! وغدا ترابهم كنز ثمين وكانوا وما زالوا وقودا حامية قوية للآخرين! لقد مرت أزمان وأزمان والكل يوقد في النار الهمجية جمرا يتشظى ذات الشمال وذات اليمين، وكأنهم كانوا ينتظرون هذا العرس الأحمر الفاضح في مطلع القرن الواحد والعشرين؟
لقد قلت منذ زمن بعيد بأن الحرب التي اندلعت عام 2003 سوف لن تكون الأخيرة كما تصور أو تخّيل البعض ما دام هناك تاريخ مفضوح لوطن ينزف دمه منذ عشرات السنين ولم تحسم أنشطته ولم تغلق نوافذه ولم تستأصل شأفته، وما دام هناك من عوامل غير مباشرة ومسببات خفية قد لا يدركها أولئك الذين يتمتعون بقصر النظر في حياتهم بسبب من ذهنياتهم المركبة التي لم تستوعب إلا الأخيلة والأحلام والأوهام والمعلومات المضللة.
هنا لابد من أن نسأل: هل سيبدأ العراق حياته بعد كل هذا الأتون؟ هل سنشهد حقا ولادته من جديد وبعد كل إعصار مدمر عصيب؟ اعتقد انه هذه المرة بحاجة إلى ولادة قيصرية من نوع غريب، وبالرغم من إنني أخاف عليه وعلى مصيره من التفكك؟ لكنني اعتقد انه سيتخلق من جديد، فله القدرة ان يحيا بأعجوبة ولا يموت أبداً مهما تلّظى بنيران الانقساميين!
ان مشكلة العراق ليست سياسية فقط، بل فجرتها عوامل اجتماعية وسايكلوجية أضخم وأقسى وأدهى وأمّر..! ان في العراق شظايا مجتمع صعب جدا لا يمكن البتة ان يتلاءم ويتوازن ويتناغم وينسجم بسهولة كما يتوهم البعض من قصار الرؤية ومن دعاة الديمقراطية المستوردة التي يعتبرونها علاجا واقيا ستسرع بحل كل المشكلات!
لقد استعاروا أنماطها من سويسرا وكندا وبقية المجتمعات المتطورة، من دون أي مراعاة للفوارق بين هكذا مجتمعات والعراق.. وكم طالبت جهرا ومنذ نهاية 2003 بعقد مؤتمر وطني يجمع كل فصائل العراق لتأسيس مبادئ يتفق عليها الجميع وبالحاجة إلى فترة نقاهة أمدها لا يقل عن خمس سنوات من اجل تأهيل المجتمع للعملية السياسية.. وانه بحاجة للمفاهيم وآليات الخبرة.
ومنهج سياسي وعقد اجتماعي، ولكن بنفس الوقت لا يمكن ان يشرع بها ويطبخ كل مصير العراق من قبل أناس لا يعرفون العراق ولم يقرأوا تاريخه.
ولم يدركوا تعقيداته.. لقد تعمقت فيه الانقسامات وتشظت فيه الولاءات.. لقد أوضحت الأحداث الأخيرة معادن العراقيين ولو بشيء قليل من الوضوح، عندما تعرفنا على منطلقات الخلاف في الرؤية والتفكير ليس السياسية التي تعيش في المنافي والشتات، بل التي في تلك الدواخل والأعماق نفسها بسبب ما عبرّت عنه انقساماتها .
وتشرذماتها التي تعبّر بطبيعتها عن انقسامات جوهرية في البنية الاجتماعية أساساً، لا السياسية فقط.. إذن: ماذا يحتاجه عراق المستقبل من أجل الخلاص من كل هذه الغرائب ؟
انه ليس بحاجة إلى مصالحات سياسية مضحكة يقترحها الآخرون علينا تحت ذرائع وهمية وهم لا يفقهون العراق ولا يعرفون مشاكله .
ولا يدركون تواريخه، بل انه بحاجة أساسية إلى بناء وطني داخلي ينطلق من مرجعية عراقية دستورية مدنية تؤمن بها الأغلبية، لتكنس من خلال سياساتها وتربوياتها وإعلامياتها كل الأمراض الاجتماعية مثل: التخلفات الطائفية والمذهبية والقومية الشوفينية والعشائرية المتخلفة ومعها كل الأمراض السياسية والايديولوجية المتعفنة.
ونسأل: هل يعقل ان يعيش أهل كل العراق حياتهم الصعبة بمثل هذه المأساة المزمنة وهم لا يعرفون معنى الحياة أبداً.. وفوق هذا وذاك، تحرق سماؤهم وتهتز الأرض من تحتهم وتهدم أبنيتهم وتفجّر معابدهم ومراكز اتصالاتهم وتشوى أجسادهم وتحرق آبار بترولهم وتذهب كرامتهم وهم يدفعون بأرواحهم وأجسادهم ثمنا لعشاق المبادئ الدموية التي لا تبقي ولا تذر..
أخيراً أقول بأن لكل اجل كتاب ودعوة صادقة من الأعماق لكل العراقيين ان يتلاحموا ويزرعوا الرحمة في قلوبهم والحب في جوانحهم وفي ما بينهم من اجل مصير وطنهم، وان يبدأوا طريقا جديدا نظيفا من اجل بناء مستقبلهم وان يحافظوا على وحدتهم واستقلالهم ومصالحهم وثرواتهم ومصالح أجيالهم القادمة..
بعيدا عن توحّش الإرهاب وعن هيمنة الآخرين وعن التراشق وعن الحروب وطي المأساة إلى الأبد. وأنهم سيذكرون من وقف معهم وقفة حقيقية في محنتهم التاريخية.. فهل سيحصل ذلك؟
مؤرخ عراقي