بينما استطاعت جريدة هابطة المستوى بشغل الرأي العام الإسلامي شرقاً وغرباً بين المظاهرات والاحتجاجات المستمرة والمقاطعة الاقتصادية، في الوقت الذي نحارب فيه على أكثر من جبهة : العراق والاحتلال الأميركي في وضح النهار.
فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، الانتخابات التشريعية الفلسطينية والخلافات التي مازالت دائرة حول وصول حماس إلى انتزاع السلطة، إنفلونزا الطيور في مصر، لبنان وبداية العودة إلى 30 سنة مضت والخلافات الطائفية بين التفجيرات والاغتيالات وغيرها، السودان وقضية دارفور، بينما نحن مشغولون بكل مشكلاتنا المضحكة أحياناً والمبكية أحياناً أخرى.
والتي تجرنا كل يوم سنة إلى الخلف، يتجه الرئيس جاك شيراك خلسة إلى الهند دون ضجيج إعلامي مع أهمية تلك الزيارة لكونها أول زيارة من نوعها في تاريخ فرنسا.
ولم ينتبه أحد إلى تلك الخطوة السريعة، ونحن معذورون للأسباب التي ذكرناها قبل قليل، ولانشغالاتنا اليومية في إحصاء عدد قتلى المسلمين من الشيعة والسنة، وإذا كانت مزارع شبعا لبنانية أم سورية، وإذا كان حزب الله يجب أن يجرد من بعض البنادق التقليدية! (بينما إسرائيل على بعد أمتار من الحدود اللبنانية تبني أعظم ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط)!!
فرنسا بكاملها تسافر إلى الهند! ماذا يعني ذلك؟ بكل بساطة: هناك دول لا تنام، وحكامها ومسؤولوها لا يغمض لهم جفن ويحسبون للمستقبل ألف مليار حساب.
وليس لساستها وشعوبها هم آخر يشغل بالها سوى بناء اقتصاد بلدانهم وحماية أنفسهم من الأيام السوداء القاحلة المقبلة التي قد تلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي في الجهات الأربع، في ضوء التضخم والبطالة وانتشار الأوبئة والجريمة وانعدام الأمن والاستقرار الدولي.
وكلها أمور تكسر من ظهر اقتصاد الدول أيا كانت صغيرة أم كبيرة والتي تكلف تلك التحديات المليارات من الدولارات. (مجرد بعض التظاهرات التي قامت في بعض الدول الإسلامية كلفت الدنمارك وحدها مليارات الدولارات!).
إن زيارة الرئيس الفرنسي إلى الهند يجب أن تكون درساً لنا نحن المسلمين أينما كنا. ففرنسا دولة تعتبر نفسها دولة عظيمة اقتصاداً وموقعاً وأمناً واستقراراً وثقافة وحرية. ومع هذا لم يذهب رئيس فرنسا رغم اعتلال صحته لطلب الاستجمام، أو الراحة أو النوم، ولم يدعو الشعب الفرنسي بكل فئاته المختلفة لوناً وديانة إلى الاصطدام المسلح.
أو إلى تفجير كنائس البروتستانت التي لا ينتمي ربما هو إليها أو حتى المساس بمساجد المسلمين (الذين أصبحوا يشعرون بالأمان في دول المسيحيين أكثر من الأمان في دولهم المسلمة!)، ولم تقم الأحزاب المختلفة الأخرى بتفجير سيارات مفخخة في مآتم العزاء، أو في الشوارع الآمنة، أو في كاتدرائيات تعود لألف سنة مضت!
لقد ذهب شيراك إلى الهند وهو يحمل معه مشاريع مستقبل فرنسا! وربما شيء من الحنين للماضي. فالقليلون يعلمون أن فرنسا كان لها في يوم من الأيام موضع قدم استعماري في شرق الهند بدأ في عام 1664 ميلادية ليصبح بعد ذلك: (مؤسسة فرنسا في الهند)!
لماذا اختار الشعب الفرنسي أن يفوض رئيسه بالذهاب إلى الهند وليس مصر؟ لماذا الهند وليس العراق؟ لماذا الهند وليس سوريا؟ لماذا الهند وليس إيران؟
لقد ترك الرئيس الفرنسي زيارات المجاملات لدولنا الغارقة في بحر من الدماء والخلافات والبحث عن الهوية وذهب إلى شبه قارة تتكون من مليار كائن حي قرروا منذ فترة بسيطة من الزمن (وليس فجأة) أن ينفضوا عنهم غبار الفقر والحزن.
وإذا بالنمو الاقتصادي الهندي يصل إلى أكثر من 8% سنوياً! فولدت في الهند برجوازية جديدة تتكون من 35 مليون غني جديد! وأصبح العالم ينظر إلى الهند بعين الترقب والحسد.
شيراك استقبل في الهند ليس بالورود والولائم العربية والهدايا الذهبية، وإنما بتوقيع صفقة من عشرات طائرات الإيرباص! وفتحت الهند أبوابها لأضخم الشركات الفرنسية العالمية: الكاتل، دانون، رينو، سان غوبان، لفتح فروع لمصانعها لديهم. ومن بين الملفات الثقيلة التي يحملها الرئيس شيراك في حقيبته: نقل التكنولوجيا النووية الفرنسية إلى الهند. والمصلحة طبعاً مشتركة.
فالهند غير مستعدة لأن تجعل من القارة الهندية مجرد آلة استهلاكية باهظة الثمن للمنتجات الفرنسية، كما نفعل نحن وبإسراف ترفضه كل الشرائع السماوية، وفرنسا تطمح في المقابل إلى توسعة أسواقها الخارجية بأسعار تنافس فيها الولايات المتحدة في منطقة تعيش حالة نمو اقتصادي متزايد وليس له مثيل.
وعلينا أن لا نتصور لحظة بأن الهند تركت أبوابها دون بواب: فهي تريد الاستفادة فقط من النواحي التي هي في حاجة إليها: التكنولوجيا العصرية، وبما لا يمس اقتصادها المتنامي يوما بعد يوم. فهي تعرف جيدا أن الدول الغربية لا تأتي أبدا لسواد عيون الدول الفقيرة. وفهمت الهند اللعبة التي لم نستوعب نحن بعد استراتيجياتها:
فدول الغرب لا تفهم كثيرا لغة الهتافات الرنانة والاستنكار والشجب والتنديد والتفجيرات السريعة، ولا تفهم كذلك لهجة التودد والخضوع وتنكيس الرؤوس: فالغرب لا يفهم إلا لغة المال والاقتصاد والمصلحة المادية واستقرار البلد التي تنوي الاستثمار فيه.
ونحن لا نفهم هذه اللغة للأسف الشديد رغم امتلاكنا لأقوى سلاح مادي واقتصادي في العالم كان بإمكانه ليس فقط إعادة فلسطين كلها إلى الفلسطينيين وإنما جعل الوطن الإسلامي والعربي دولة عظمى لها مقعدين في مجلس الأمن! وهذا ما تسعى إليه الهند من خلال تعزيز روابطها الاقتصادية مع فرنسا بالذات.
وهذا ما تلمح إليه فرنسا من خلال هذه الزيارة: فإن دعم فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن للهند سيسهل لها كثيرا لأن تكون العضو الثامن بعد انضمام الصين في هذا المجلس الذي يقرر مصائر الشعوب.
لذا بدأ الغرب بالتسابق في الوصول إلى الهند. وأراد شيراك أن يكون أول المتسابقين الذي وصل إليها في 17 من هذا الشهر من مسافة تبعد عن الهند 7000 كم غربا. وبعد ثلاثة أيام سيكون الرئيس بوش في طائرته الخاصة أيضا قادما من مسافة تزيد على 15000 كيلومتر غرباً ليحط في مطار عسكري خاص في نيودلهي.
والمرمى واحد: الهند التي هي على مرمى حجر من الدول الإسلامية، والتي بدأت باستعادة الأيدي العاملة المنتشرة في منطقة الخليج إليها وفرض أقسى الشروط والقوانين والإجراءات للسماح لهندي واحد بالسفر إلى الخليج للعمل فيها!
فهل ستنقلب الآية، ونضطر في يوم من الأيام ولأسباب نعرفها جميعا إلى الهجرة إلى الهند للبحث عن عمل فيها؟
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com