عادت فضيحة سجن أبو غريب، إلى الأضواء، بعد أن نشرت إحدى القنوات الإعلامية الأسترالية، صوراً جديدة، لم تُنشر سابقاً، عن الانتهاكات بحق المعتقلين العراقيين. وقد أعاد هذا النشر، تأجيج مشاعر التقزز، من الانتهاكات البشعة، لحقوق الإنسان، التي جرت، في هذا السجن البغيض.

تتوافر حالياً، معلومات أكثر تفصيلاً، عما جرى، في ذلك السجن، فقد جمعت وحدة عسكرية جنائية، تابعة للجيش الاميركي، خلال قيامها بالتحقيق، 1325 صورة، و 92 لقطة فيديو، تظهر عمليات انتهاكات وتعذيب، وصور عديدة، لجثث عراقيين، يشتبه أنهم ماتوا في السجن، وصور أخرى، يأبى الذوق السليم، الإشارة إليها، ناهيك عن مشاهدتها. وقد تم التقاط هذه الصور، في الفترة الواقعة، بين 18 من أكتوبر، وبداية ديسمبر من عام 2003.

والتعذيب الذي مورس، في هذا السجن، من نمط خاص، ينم عن الحذق وعمق المعرفة، في خفايا النفس البشرية، وأسلوب دحرها، وتكمن خطورته، ليس في إيذاء المعتقل جسدياً، ولكن الوصول به، إلى أقصى درجات الإذلال، من خلال انتهاك كل خصوصياته.

هنالك صنفان من المعتقلين، لدى قوات الاحتلال، في العراق: الأول، هم أسرى الحرب، والثاني، هم معتقلون لأسباب مختلفة. ويخضع التعامل مع الصنف الأول، كما هو معروف عالمياً، إلى نصوص اتفاقية جنيف، التي صدرت في أغسطس، من عام 1949، لحماية أسرى الحروب وضحاياها. أما الصنف الثاني من المعتقلين، فيخضع التعامل معهم، للاتفاقيات التي صدرت من جهات متعددة، في فترات مختلفة، نذكر أبرزها:

1- الاتفاقية الأميركية ضد التعذيب ومعاقبة القائمين به، التي وُقعت في ديسمبر من عام 1985، من قبل ممثلين عن 34 دولة، في الأميركتين، وأصبحت نافذة المفعول، في فبراير من عام 1987.

2- الاتفاقية العالمية ضد التعذيب، وضد القسوة ولا إنسانية المعاملة، والتي أقرت، من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، في ديسمبر من عام 1984، و أصبحت نافذة المفعول، في يونيو من عام 1987.

3- الاتفاقية الأوروبية الصادرة في نوفمبر من عام 1987، و أصبحت نافذة المفعول، في فبراير عام 1989.

لا شك، إن الاحتلال، مهما زهت ألوانه، ومهما كانت طروحاته، فهو قهر لإرادة البلد المحتل، وكسر لشكيمة أبنائه، وذل لا أحد يرضى باستمراره. وللتخفيف من وطأته، وَضعت اتفاقية جنيف، شروطاً تُلزم المُحتل، بممارسات سلوكية فيها قدر من احترام مشاعر الشعب المقهور.

ترجع جذور فضيحة السجن، إلى خمسينات القرن المنصرم، حينما بدأت وكالة المخابرات المركزية الأميركية، مشروعاً سرياً كبيراً، عُرف باسم مشروع مانهاتن لمعالجة الذهنية، أُنفق خلاله، ما يزيد على المليار دولار، لحل رموز وعي الإنسان، وإيجاد الوسائل اللازمة، للتحكم بهذا الوعي. وقد ساهم في هذا المشروع، خبراء أكاديميون متخصصون في الأعصاب، وفي علم النفس، من جامعات مرموقة.

وقد توصلت، تلك الدراسات، إلى أن الوسيلة المثلى، لتدمير دفاعات المُعتقل، والسيطرة على عقله، هي تعطيل إحساساته، لمدة لا تقل عن ثمان وأربعين ساعة، حيث يبدأ بعدها بالهلوسة والانهيار. و قد تمخض عن هذا المشروع، ابتداع وتطوير، تقنيات التعذيب النفسي، وهو الابتكار الأكثر تميزاً، في (عِلم الألم)، على مدى القرون الخمسة الماضية.

ويذكر ألفريد ماك كوي، أستاذ التأريخ، في جامعة ويسكنسون ماديسون، في كتابه الذي صدر في يناير من هذا العام، تحت عنوان ( قضية التعذيب)، بأن آثار هكذا تعذيب، لا تذهب لمجرد أن يُفرج عن المعتقل، فهناك أشخاص، التقى بهم، بعد مرور ما يزيد على الخمسة عشر سنة، على محنة هذا التعذيب، لا يزالون يعانون من آثاره، فقد أصيبوا بشرخ خطير في شخصيتهم، يمنعهم من العيش بشكل طبيعي.

أما لماذا، تعمد الولايات المتحدة، إلى ممارسة، هذه الأساليب، وهي المُوقعة، على العديد، من الاتفاقيات، التي تُحرم وتُجرم، ممارسة التعذيب بكل أشكاله، فذلك يعود، في الحقيقة، إلى احتقارها للاتفاقيات الدولية التي تقيد رغباتها، والعمل على التحايل عليها، رغم أن بعض المسؤولين قد حذر من خطورة ذلك. فقد بعث الجنرال ألبيرتو مورا، المشرف السابق، على تحسين أداء المحققين، في سجن غوانتانامو، مذكرة سرية، في يوليو من عام 2002، نشرتها صحيفة نيويوركر مؤخراً، يحذر فيها المسؤولين، من مغبة ابتداع نظريات قانونية، يُمنح بموجبها، الرئيس الأميركي، سلطة إجازة المعاملة القاسية للسجناء، خلافاً للاتفاقيات الدولية.

لقد أثارت الصور المقززة، اشمئزاز كل من اطلع عليها، ولكننا في الواقع، أحوج إلى مواقف أكثر إيجابية، لا تقتصر فقط، على مجرد الاستنكار والشجب، وإنما تتجاوز ذلك، إلى السعي والضغط، على المنظمات والهيئات العالمية، من أجل إصدار تشريعات وآليات عمل فعالة، لا تضع البعض، خارج دائرة المحاسبة والإدانة، مهما كَبر هذا البعض.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae