في شهر أغسطس المقبل يحتفل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بعيد ميلاده الستين ولسوف تكون تلك مناسبة ذات أهمية خاصة، لا بالنسبة للسيد كلينتون الذي يبدو من حيث المظهر والأفكار والأسفار أكثر شبابا.. ولكن أهمية المناسبة سوف تكتسب أبعادا قومية وتاريخية بالنسبة لأميركا والغرب الأوروبي بشكل عام.

إنها مناسبة وصول جيل معين من سكان الغرب على ضفتي الأطلسي سن الستين بمعنى الوصول إلى عتبة الشيخوخة كما قد نقول. هذا الجيل يحمل اسما مخصوصا في الأدبيات السياسية الأميركية هو بيبي بومرز (ومعناه جيل طفرة المواليد)، ولهذا الجيل قصة ترجع جذورها إلى الحرب العالمية الثانية التي اندلعت شرارتها في عام 1939 .

ولكنها لم تكتسب زخمها الحقيقي الكثيف والملتهب إلا بعد أن دخلت أميركا معمعة الحرب بكل قوتها ومواردها وجبروتها العسكري في عام 1942 وخاصة بعد تحطيم الأسطول الأميركي بأكمله في ميناء بيرل هاربور في ديسمبر من ذلك العام .

مما أدى بالرئيس روزفلت إلى أن يقرر دخول الحرب بصورة مباشرة فكان أن دفع بأكبر حشد ممكن من الضباط والجنود الذين شهدتهم كل مسارح العمليات، عشرات ومئات الآلاف من زهرة شباب أميركا شاركوا في الحرب على امتداد فترة طالت حتى اندحار ألمانيا النازية وانتصار أميركا وحلفائها في صيف عام 1945.

بعدها عاد شباب الجنود والضباط الأميركيين إلى أرض الولايات المتحدة حيث كان بانتظارهم أفواج من الشابات.. الخطيبات والزوجات ومن في حكمهن..

تلك هي الفترة التي شهدت فيها أميركا ظاهرة طفرة المواليد (بيبي بومرز) وخاصة في عام 1946 الذي يمثل - كما ألمحنا - سنة الميلاد لجيل أميركي كامل ومهم ومميز يظل ويليام جي؟رسون كلينتون عَلَماً عليه وخاصة حين تدق من حوله أجراس الاحتفال ببلوغ سن الستين.

إن هذا الجيل يكتسب أهميته بحكم أطوار نشأته مواكبا لتطورات جذرية وأحيانا خطيرة بل ومذهلة شهدها النصف الثاني من القرن العشرين.. جيل (بيبي بومرز) نشأ أفراده مع نشأة وتطور الحرب الباردة في الخمسينات.. كانوا أطفالا حين سمعوا عن ناصر وإيدن في حرب السويس (1956) وعن كاسترو وجيفارا ثورة كوبا (1959).

وحين انتقل بهم العمر إلى عقد الستينات راعتهم أنباء اغتيال رئيسهم جون كينيدي (1963)، وحين بدأوا في أطوار النضج بعد سن العشرين اجتاحت صفوفهم وقتها حركة الشباب المتمرد على التقاليد العتيقة والأعراف التي تجاوزها الزمن - زمانهم ومن ثم خرجوا إلى شوارع الدنيا، يعلنون التمرد على جمود التعليم في فرنسا وعلى حرب ؟

يتنام واضطهاد السود في أميركا، وقد تجسدت هذه الروح الشبابية المتمردة في حركات الهيبز التي بلغت ذروتها في عقد الستينات، وفي أنساق وأنماط ومنظومات مستجدة وغير مسبوقة في مجالات الملبس والسلوك والموسيقى والمسرح والسينما والإبداع الفني بشكل عام وفي تطوير أساليب الإنتاج من حيث الكم والكيف على السواء.

كيف لا وقد قيضت الأقدار لجيل طفرة المواليد أن يسمع في طفولته عن إنسان روسي اسمه يوري غاغارين كان أول رائد للفضاء، وأن يتابع في بداية شبابه هبوط أول إنسان هو الأميركي نيل أرمسترونغ على سطح القمر.

على أن حكاية بلوغ الستين لن تعني في ظروفنا الراهنة مجرد احتفال أو حتى مناسبة للتدبر والتأمل فيما عرضناه من مشاهد التاريخ: ان المسألة أعقد من ذلك بكثير.. إنها مسألة تتعلق بسن التقاعد المطلوب في المرحلة الراهنة من تاريخ العالم.

وتتعلق بضرورة تغيير المواقف السلوكية والاجتماعية بل والاقتصادية إزاء من بلغوا سن الستين ولكنهم لا يزالون يتمتعون بحيوية لا تخفى وبإطلالة طازجة وآملة على الحياة فضلا عن شهية مفتوحة لمواصلة النشاط.. والاستمتاع.

أين هذا كله من الصورة النمطية الكلاسيكية القديمة.. المتوارثة والمتواترة عن الناس في سن الستين، تأمل مثلا، مشاهد أفلام الأبيض والأسود التي احتفظت لنا بسلوكيات الأجيال الماضية ومواقفها إزاء من أحيلوا أيامها إلى التقاعد أو على المعاش كما تقول روزنامة البيروقراطية في بلد مثل مصر..

في مشاهد تلك الأفلام تجد المتقاعدين قوما تكاد حركتهم تقتصر على المراوحة بين البيت والمقهى وهي في الغالب حركة متثاقلة تنعكس وتيرتها البطيئة متابعة قاصرة للشأن العام لدرجة أن تكتفي هذه المتابعة في أغلب الأحيان إما بمطالعة أخبار الأدوية والعلاج أو بقراءة صفحة الوفيات.

والحق أن هذا كله آل إلى تغيير، في الغرب وفي الشرق على السواء.. لقد شهدت العقود الزمنية الأخيرة تقدما مرموقا في مجال الرعاية الطبية ومجال الوعي الصحي وكان أبرز تجليات هذا التقدم هو القضاء على أوبئة كانت تفتك بالملايين وعلى أمراض متوطنة كانت تؤدي إلى تقصير عمر الإنسان..

وأدى هذا كله إلى إطالة ما يعرف في مصطلحات علم السكان باسم «الأجل المتوقع للحياة» بمعنى متوسط عمر السكان من ذكور وإناث .

وبهذا لم تعد سن الستين هي محطة الوصول أو نهاية المطاف بل أضحت في بعض الأقطار أقرب إلى ما يعرف باسم محطة منتصف العمر، باعتبار أن الأجل العمري (وهو بداهة بيد الخالق سبحانه) أصبح يمتد إلى سنوات ما بعد الثمانين بل والى التسعين في بعض الأحيان..

هكذا يحتفل كلينتون وأبناء جيله بوصولهم إلى الستين ولما يدخلوا بعد في طور الشيخوخة بحيث تصدق عليهم أوصاف من قبيل «عجوز» أو عبارات من طراز «بلغ من العمر عتيا» أو «من العمر أرذله»®. الخ.

لكن هذه الحقيقة الإيجابية لها بدورها وجه آخر منذر بالخطر وحافل بالسلبيات «سوف يحتفل الأفراد، لكن لن تجد الحكومات ما يدفعها إلى الاحتفال ولاسيما وزارات الاقتصاد والخزانة في تلك الحكومات».

هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي البريطاني بول والاس في مقالة بحثية (منشورة في كتاب الإيكونومست السنوي عن عام 2006).

والسبب هو أن أفراد هذا الجيل من طفرة المواليد مازالوا في جملتهم أصحاء.. ناشطين.. ويتطلعون (بإذن مولاهم) إلى سنوات من العمر المديد.. وإذا كان معنى هذا مزيدا من الأمل أمام هذه الشريحة السكانية فإن معناه بنفس المقياس مزيدا من الأعباء التي يفترض أن تتحملها الموارد الاقتصادية وصناديق التقاعد في الأقطار التي ينتمون إليها..

ومعناه كذلك أن أفراد هذا الجيل يستعدون من الآن لحياة من الاستجمام والتخفف من مسؤوليات العمل وأعباء الوظيفة.. وكل هذا يعني خروج ملايين من دولاب العمل ومن مجال الإضافة إلى نشاط وموارد وإنتاجية المجتمع..

ومن ثم فقد قرروا أن يتحولوا إلى ملايين من البشر الذين يتحمل هذا المجتمع إعالتهم من خلال منحهم ما يستحقون من مرتبات وتأمينات ومعاشات التقاعد ولسنوات طويلة.. أطول ممن سبقهم من أجيال.

إنهم في أميركا يحاولون حل المشكلة برفع سن التقاعد إلى 65 (الأمم المتحدة رفعت السن إلى 62) أما في بلد مثل فرنسا فمازالت الستون هي سن التقاعد بما يعني أن الخزانة القومية وصناديق الضمان الاجتماعي - كما يقول الكاتب بول والاس في دراسته - سوف تواجه لفترة مطولة نقصا شديدا في المعروض من القوى البشرية العاملة.

فيما تعاني زيادة باهظة في فواتير الرعاية والضمانات الاجتماعية وتكاليف الرفاة، فما بالك بأقطار مثل ألمانيا واليابان وإيطاليا باتت تعاني زيادة في حجم الشيخوخة وتناقصا مطردا في الخصوبة وفي عدد المواليد ومن ثم في حجم أجيال الشباب. المؤهل للمساهمة في سوق العمل.

كاتب مصري