في دولة الإمارات المجتمع أضحى قريباً في الوصول إلى حالة المرض إذا ما استمر التعاطي مع هذا الأمر بهذا الشكل لأنه مجتمع محافظ وغالباً ما تكون الزيجات بين أولي القربى الأمر الذي سيشكل مشكلة مستعصية، الحل في المستقبل مالم ينظر إلى الأمر بموضوعية تامة ويوضع له حل جذري عبر السماح للمواطنة باختيار زوجها وفقاً للأصول الشرعية ولتقاليدنا وأعرافنا دون النظر إلى جنسيته أو انتمائه الوطني.
والدين الحنيف تناول هذه المسألة بعقلانية وموضوعية بعيداً عن كل الانتماءات الوطنية والعصبية وهو الأمر الإلهي الذي بدء تنفيذه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قام بتزويج ابنة عمته زينب بنت جحش لمولاه زيد بن حارثة.
وبذلك يكون النبي الكريم أول من امتثل لأوامر ربه، وحطم كل أنواع التفرقة بين المجتمع مستلهماً الدين والخلق كمعيار أساسي في الزواج رافضاً ما دون ذلك من أسباب تتعلق بالنسب والمواطنية والعصبية والعشائرية وغير ذلك .
حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إن لم تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير» فمعيار الاختيار في الزواج هو الدين والخلق وما عداه فهو من الكماليات التي لا تؤسس في فحواها نجاح أو فشل الزواج.
نعم اختلاف الطبائع والعادات والتقاليد أمر مهم ولكن ـ وهو رأيي ـ لا مشكلة في زواج المواطنة من أجنبي بقدر ما تكمن المشكلة في زواج المواطن من أجنبية ذلك أن الأم هي المربية والمعلمة.
وهي من ترسخ عاداتها في أبنائها وليس العكس أي أن دور الأب أقل بكثير من دور الأم بالتالي فإن أبناء المواطنات هم أقرب لوطنية البلد منهم إلى أبناء المواطنين من أجنبيات « آسيويات وغربيات».
وبالنظر إلى الموضوع من الناحية القانونية نجد أن القانون الاتحادي رقم 17 لسنة 1972 المتعلق بشأن الجنسية وجوازات السفر تناوله بحيث نص في المادة الثالثة وما يليها على آلية اكتساب الجنسية الإماراتية .
فالمادة الثالثة نصت على الآتي «للمرأة الأجنبية المتزوجة من مواطن في الدولة أن تكتسب جنسية زوجها إذا رغبت في ذلك شريطة أن تعلن وزير الداخلية برغبتها في ذلك وأن تنقضي ثلاث سنوات على هذا الإعلان تستمر خلالها الزوجية قائمة وأن تتنازل عن جنسيتها الأصلية، ولا يتبع الزوج جنسية زوجته ».
إذاً فالمبدأ القانوني أن الزوجة الأجنبية تتبع جنسية زوجها المواطن في حين أن العكس غير مسموح به قانوناً وبرأينا هذا من باب التضييق في منح الجنسية لمستحقيها .
كما هو معمول به في العديد من دول العالم ولو أمكن تعديل هذه المادة بما يحقق المساواة بين الطرفين في اكتساب جنسية الآخر، فإن ذلك لا شك أنه سيحقق حلاً مثالياً لمشكلة أولاد المواطنات من زوج أجنبي، وينهي سوء عاقبة المواطنة التي تتزوج من أجنبي.
ومن الحلول التي يمكن أن تقترح في هذا الشأن كما هو متبع في حال زواج المواطن من أجنبية بقيدها في خلاصة القيد التابعة للزوج مدة ثلاث سنوات تستحق بعدها جنسية الدولة، أما في شأن الزوج فيمكن أن يقيد على خلاصة قيد زوجته مدة ثلاث إلى خمس سنوات يستحق بعدها أن يحمل جواز سفر صادر عن الدولة وبعد مضي خمس سنوات أخرى أي أن يمضي على قيده في سجل زوجته التي تحمل جنسية الدولة ثمان إلى عشر سنوات يثبت خلالها إقامته في الدولة .
وأنه يمارس أعمالاً بها فيمنح جنسية الدولة وهي فترة كفيلة عادة بأن تخلق الانتماء إلى الأرض التي يعيش عليها الإنسان وتكون أيضاً هذه الفترة كفيلة بأن ينتج ثمار هذا الزواج بإنجاب أطفال يشبعون رغبة الأمومة لدى المواطنات .
وخلق جيل موال للأرض التي ولد ونشأ وترعرع فيها ويستحق بعدها كل الصلاحيات الممنوحة للمواطن . وفي ذلك أيضاً وسيلة لانتقاء الأصلح لضمه لوطنية الدولة وقضاء على العنوسة وأبناء المواطنات المتزوجات من أجانب.
وهناك تجربة ماثلة سبق وأن قامت بها بعض دول الخليج في هذا المجال حيث انها منحت بعض المقيمين العرب لديها الجنسية وفق شروط محددة ولم نسمع بأي إشكاليات نجمت من وطنيتهم تجاه البلد الذي حازوا جنسيته ذلك لأن مفهوم الانتماء الوطني أضحى لدى هذه الفئة قائماً بكامل إشكاله بمجرد الحصول على حقوق وامتيازات المواطن الأصلي لهذا البلد.
وبالتالي الحديث عن التشكيك في مواطنه الحائز على الجنسية في غير محله القانوني والوطني السليم فضلاً عن ذلك فهل سنخشى على أنفسنا ما طبقته الدول الأخرى الغربية بتجنيس العرب في دولهم علماً بأنه لم يثبت لديهم أي إشكاليات ناجمة عن تجنيس العرب.
وإن غالبية من حازوا على جنسية البلد المقيمين فيه أضحوا مواطنين وتبوءوا مناصب عليا في تلك الدول بل إن بعضهم قد يكون غيوراً على مصلحة بلده الجديد بدرجة قل نظيرها في سعي منه لإثبات مواطنيته.
لذلك أتمنى أن يحوز هذا الطرح قبولاً ونقاشاً من قبل المختصين وينظر إليه بالاعتبار، لا أن يأخذ دوره في الأدراج وننكر وجود هذه المشكلة المؤرقة لعدد من المواطنات المتزوجات من أجانب.
فلماذا نخوض في الأمور برأس مدفونة بالرمال كالنعام ونعتقد أننا بذلك قد تذارينا عن الأعين ـ نحن اليوم في عصر العولمة والحل والترحال ولا شيء صعب ـ اكتشفت فيما بعد من حكاية السيدة المواطنة والأخ العربي أنهما متزوجان في بلد ذلك الأخير بعقد زواج صحيح ونافذ وفق أحكام قانون بلده .
وهنا يكمن الحوار والذي لا بد أن نتناوله بموضوعية أكبر وأعم وأشمل من موضوع زواج المواطنة بأجنبي في طرح لاحق ان شاء الله تعالى. «الزواج بغير اذن الولي ».
محامٍ إماراتي