من حق أبناء الضفة وغزة المفاخرة بأنهم ساهموا في إدخال مشروع الشرق الأوسط الكبير والداعين إليه وتابعيهم المحليين في نفق معتم، قد لا يخرجون منه قبل ردحٍ من الزمن. كذلك يحق لهم الادعاء على معظم أصحاب هذا المشروع بأنهم مغرضون وكاذبون ومنافقون ومن ذوي المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين أو أكثر.

فبتزكيتهم لحركة حماس، المناهضة بطبيعتها للنظام الشرق أوسطي، قدم الناخبون الفلسطينيون نموذجاً تطبيقاً للكيفية التي يمكن بها مواجهة هذا النظام الذي يطرق الأبواب العربية بقوة وبرفضهم لهذه التزكية التي جرت ديمقراطياً، أثبت دعاة الشرق أوسطية سوء نياتهم واستحقاقهم للأوصاف المذكورة.

وكم يبدو موقفهم هذا مثيراً للسخرية والاشئمزاز، لأن كل ما فعله الناخبون هو ممارسة بعض الحقوق التي طالما صدع بها هؤلاء الشرق أوسطيون، الديمقراطيون، رؤوس الخلق.

لكن الصدمة هنا كانت فوق الاحتمال، وهي تأتتى جراء الناخبين للتوقعات وعدم التفاتهم إلى التهديدات أو الإغراءات التي ألقيت في طريقهم، بشكل غير ديمقراطي. لقد ضغطت هذه التهديدات والإغراءات على عصب الكرامة الملتهب فلسطينياً، بحيث بدا التصويت لصالح حماس في جانب منه رداً مناسباً عليها.

ويفهم من هذه المتوالية، حيث التلويح الأوروبي والأمريكي (والإسرائيلي بالطبع) بقطع العون عن الفلسطينيين إذا ما انتصروا لحماس، والرد الفلسطيني الذي بات حديث الدنيا بأسرها، أن العقلية الفلسطينية المشتقة من أصلها الحضاري العربي الإسلامي ليست معلومة كما ينبغي لدى عالم الغرب. يفهم من ذلك بكلمات أخرى، ضعف الإدراك الغربي لحدود الاشتياق الفلسطيني للاستقلال حتى لو كان ذلك مقابل لقمة العيش.

هذه الاستجابة الفلسطينية أظهرت أنه لو كانت المنظومة الغربية أكثر دراية على المستويين الثقافي والسياسي بنوازع الشعوب العربية، لما قرنت الدعوة إلى الشرق الأوسط الكبير أو الصغير بالدعوة إلى الديمقراطية في الرحاب العربية.

فهذه الاستجابة أكدت عملياً أن الشرق أوسطية لن يكتب لها الحياة فيما لو أتيح للشعوب العربية التعبير عن موقفهم منها ديمقراطياً. التصويت لحماس لا يدع مجالاً للشك في هذا التقدير، باعتبار أن مواثيق هذه الحركة وأيديولوجيتها وبرامجها لا تلتقي بأي حال مع المشروع الشرق أوسطي ولا مع نيات أصحابه وأنصاره.

المدهش أن الفلسطينيين إياهم استخدموا واحدة من الدعوتين لمناهضة الأخرى. لقد استغلوا الشرعية الانتخابية، وهي من شعائر دعوة الديمقراطية السياسية، في تصعيد من يضع العصي ويعمق الممانعة في دواليب الدعوة الشرق أوسطية.

وإذا كان هؤلاء قد أثروا هذا الموقف وهم على ما هم عليه من استضعاف تحت الاحتلال، بل وينتظرون العون المالي والاقتصادي الخارجي (الغربي) ليواصلوا حيواتهم على مستوى الكفاف.. فكيف الحال ببقية أبناء أمتهم في المشارق والمغارب، الذين يستحوذون على مصادر عيش ذاتية أكبر وفرص أوسع للحركة الطليقة المعززة بالاستقلال الوطني ؟!.

لا يمكن التكهن بما يدور الآن ويعتمل في مطابخ السياسة لدى أصحاب المشروع الشرق أوسطي وأنصارهم على صعيدي الفكر والحركة. لكن الأمر اليقيني أنهم يتلمظون غيظاً من «الزنقة» التي أصبحوا عليها بعد الانتخابات الفلسطينية وقفازها في وجوههم.

فهم من ناحية مطالبون بالترحيب بهذه المحطة الديمقراطية التي توقف عندها الفلسطينيون بكل انضباط وأريحية. لكنهم من ناحية أخرى ليسوا سعداء بنتيجة هذه الوقفة التي دفعت بالحركة اللدودة حماس إلى مركز النظام الفلسطيني.

كانوا يريدونها ديمقراطية سابقة الإعداد والتجهيز والبرمجة بحسب أهوائهم واستراتيجيتهم الشرق أوسطية، فإذا بالفلسطينيين يفضلونها ويفصلونها، ديمقراطيةً على قياسهم غير عابئين بالتحديات التي تنتظرهم بعد هذا المنعطف. لهذا بالضبط راوحت ردود أفعال العواصم الغربية بين اللعثمة والحيرة.

وللإنصاف فإن بعض الدوائر البحثية الغربية والإسرائيلية كانت قد حذرت منذ سنوات من خطر تفشي «داء الديمقراطية» في العالم العربي على نمط العلاقة غير المتكافئة بين الغرب والعرب، مؤكدةً أن تعقيد الحياة السياسية للعرب وفقاً لقواعد الديمقراطية السوية، سيفضي إلى إعادة نظر في موازين التعامل المائلة لصالح الغرب.

كما سيؤدي إلى الصلابة في مواجهة التسوية المملاة مع إسرائيل واستعصاء فرض الشروط الإسرائيلية على مختلف المسارات، وسيشرع الأبواب أمام قوى المقاومة العربية للتطبيع مع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين لآجال وحدود لا يمكن توقعها.

ويدفع باتجاه تقوية النظام الإقليمي العربي ورفض بدائله المطروحة تحت مسميات خالية من دسم العروبة كمشروعي الشرق الأوسط والشراكة المتوسطية.

غير أن هذه التقديرات ذهبت بلا أصداء تذكر في العواصم المعنية، التي كانت مأخوذة بمقولة أن دمقرطة النظم العربية ستسهل القبول العربي بإسرائيل والتسوية معها لأن «الديمقراطيات لا تحارب بعضها بعضاً».

وتبدو سخافة هذا الاعتقاد من كونه أولاً، يفترض أن إسرائيل دولة ديمقراطية حقاً فيما هي تقترف العنصرية بحق العرب عموماً وبحق مواطنيها من المجتمع الفلسطيني الأصيل (عرب 48) بخاصة، وكذا بحق اليهود الشرقيين والفلاشا بدرجة أقل فجاجة.

هذا دون الاستطراد ثانياً، إلى ما ينطوي عليه هذا الاعتقاد (الزعم) من ازدواجية في المعايير حتى لو كان صحيحاً جدلاً، وذلك لأن إسرائيل تحتل أرض الغير وتلقي جذرياً بمعايير حق تقرير المصير المكفولة للشعب الفلسطيني.. إن وضعاً كهذا يثير التساؤل عما إذا كان فقه الديمقراطية يسمح بمثل هذا الازدواج بين ديمقراطية مع النفس وبين تسلطية وقهر للآخرين ؟!.

الشاهد في كل حال أن مشروع الشرق الأوسط الكبير أصيب بضربة موجعة من حيث أريد له أن ينطلق وينتشر. يدل على ذلك تواري دعاته في الغرب وكمون مريديهم وأتباع خطابهم من العرب المستغربين. فما عدنا نسمع لهؤلاء ولا هؤلاء حساً بعدما ألقمتهم الديمقراطية الفلسطينية أحجاراً، فضلاً عن الرفض السابق على هذه الواقعة في المنطقة.

وفي السياق ذاته، ربما وضع المثل الديمقراطي الفلسطيني المبهر حداً لزعمٍ اكتسب مطولاً بالبهتان وإعلام التضليل صدقية شبه عالمية، وهو أن إسرائيل واحة متفردة للديمقراطية في صحراء ديكتاتوريات الشرق الأوسط.

ففي المرة الوحيدة التي تمكن فيها الفلسطينيون من المفاضلة الحرة بين متنافسين أنداد، قلبوا موازين القوة في نظامهم السياسي وصولاً إلى تصعيد قوة مكان أخرى، محققين بذلك فكرة تداول السلطة بجدارة يحسدون عليها. والأرجح أن هذا المثل لن يكون بدعاً في محيطه العربي فيما لو قدر لكيانات هذا المحيط محاكاة التجربة ذاتها.

كاتب وأكاديمي فلسطيني