تصاعدت الاحتجاجات وموجات الغضب، خلال الأسابيع الماضية على فعل جريدة يولاند بوستن الدنماركية وغيرها من الصحف الأوروبية التي نشرت رسوماً تشوه صورة الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) وتسيء إليه وبالتالي إلى المسلمين، والتي لم تحترم عقائد الآخرين كما تريد أن يحترموا حريتها في التعبير، ولم تأخذ المسؤولية في اعتبارها وهي تمارس حرية الصحافة.
سواء قامت تلك الصحف بنشر ما نشرته عن جهل أم استهتار أم عن تصور وتصميم مسبقين بقصد الإساءة فإن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً، لأن المواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو الإعلان الأوروبي أو الأميركي أو حتى بعض القوانين المحلية في بعض بلدان أوروبا فضلاً عن مواثيق الشرف الصحافية والتقاليد الصحافية.
تقرر جميعها ربط الحرية بالمسؤولية وتضع للحرية حدوداً تقف على أبواب حدود حقوق الآخرين، ولا ينبغي لأحد أن يتجاهل ذلك ويقتضي الأمر ممن ارتكب مثل هذا الفعل لا أن يأسف فقط بل أن يعتذر ويتحمل العقوبة المادية والمعنوية المناسبة.
وعليه فلا يلام المسلمون الذين احتجوا أو غضبوا أو عبروا عن اشمئزازهم لأن كلاً منهم كان يشعر أن الإساءة موجهة إليه وإلى ثقافته ودينه وهويته، وإلى هوية الأمة برمتها، حيث أن ثقافة المسلم وهويته إنما تتماهى مع الإسلام ويتعذر فصل أي منهما عن الآخر.
لقد زاد الأمر خطورة أن الحدث بدا وكأنه إعلان انطلاق صراع الحضارات على أرض الواقع في عالمنا الراهن والتي جرى الحديث عنها كثيراً خلال العقد الماضي، واستخفاف أهل الحضارة والثقافة الغربيتين بالحضارة والثقافة الإسلاميتين.
أو كأنه استئناف حرب قديمة بغيضة ووحشية دامت قرون عدة بين أوروبا والعرب والمسلمين، وضع الأوروبيون شعاراً لها (الحروب الصليبية) و(حماية قبر المسيح) ولكن لأن أسبابها ليست كذلك سماها العرب ببساطة (حروب الفرنجة) ولم يكونوا يفهمونها على أنها حرب دينية بل حرب استعمارية.
وتذكر العرب والمسلمون بعد هذه الإساءة إشارة الرئيس بوش إلى هذه الحروب في إثر أحداث سبتمبر وبدا لهم أن الآخر الأوروبي والأميركي أطلق شياطين حربه أو فجر الصراع بين الحضارتين، وأكد مفهوم صراع الحضارات الذي ينادي به الليبراليون الجدد والمحافظون الجدد وبعض منظريهم وفلاسفتهم.
على العموم إن كان فعل الإساءة غير مفهوم أو مبرر فإن ردود الفعل مفهومة ومبررة في ضوء هذا، ويصعب تجاهل غضب العرب والمسلمين واشمئزازهم بل وثورتهم دفاعاً عن الذات والثقافة والهوية والدين.
لكن هذا كله لا ينبغي أن ينسينا أن هناك من يعمل على استغلال الدين الإسلامي الحنيف لمصالحها الخاصة، ويستغله لتبرير ممارسات أفراد وسلاطين وسلطات اجتماعية وفرض قيم لا علاقة لصحيح الدين بها، وتأدية طقوس بزعم أنها دينية وهي ليست كذلك.
وممارسة الفرائض الدينية باستعراض مشهود لإظهار التقى والورع والحرص على الدين أمام العامة أو أمام جماهير المتدينين، وهذا ما شهدناه في بعض ردود الفعل العنيفة على الإساءات الموجهة للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام أو الدين الإسلامي الحنيف.
لقد استغل البعض المناسبة لإثبات حرصهم على الدين فأثاروا المشاعر وحركوا عواطف المؤمنين، مما أدى لارتكاب أخطاء لا مبرر لارتكابها وإضعافنا أمام الآخر، وإضاعة فرص كان يمكن أن لا تضيع خاصة تلك المتعلقة بكسب الرأي العام الغربي أو بإصدار مواثيق دولية جديدة تدعو لاحترام العقائد وصيانتها وحمايتها من السفهاء.
أو من المعتدين في الغرب، وقد أدت الممارسات الخاطئة من الطرفين إلى مساهمة غير مباشرة في تشجيع صراع الحضارات الذي ننكره ونرفضه.
ونخشاه وصراع الثقافات الذي يريده أعداؤنا، وتسهيل تفجير هذا الصراع من قبل المتطرفين في الغرب ـ وهم كثر ـ أو من أنصار الليبرالية الجديدة والمحافظين الجدد وإطلاق العنان للغرائز لتتحكم بالعلاقات الدولية.
لقد أثيرت المشاعر والعواطف، مستندة على أسباب محقة دون شك، وجيشت الجماهير، وأطلقت شعارات الغضب دون أن تحدد الأهداف، والخشية الآن أن يفلت الأمر من يد العرب والمسلمين فلا يحققون أهدافهم النبيلة السامية، ولا يحافظون حتى على شرعية احتجاجهم، وهو حق مشروع ويضيفون خسارة جديدة إلى خساراتهم.
لابد أن يتحلى المسلمون بالحكمة التي لا تعني السكوت على الإهانة التي وجهت إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أو إلى الدين الإسلامي وإنما تحاشي الوقوع في العزلة وقطع الطريق على المتطرفين خاصة الغربيين منهم.
وممارسة الأساليب غير العنيفة في الوصول إلى الهدف ومطالبة الحكومات والمنظمات الإسلامية بالتعاون معاً لاستصدار قرارات من المنظمات الدولية تدين هذه الممارسات وتحمي العقائد بأحكام القانون فضلاً عن تطبيق المقاطعة وتطوير ثقافتها وغيرها من الإجراءات.
ولعل الأهم هو وضع خطة واسعة وشاملة مهمتها تعريف شعوب الغرب وشعوب العالم بحقيقة الدين الإسلامي الحنيف وإفشال نوايا متهميه بالإرهاب وإظهار تسامحه وتكامله وإنسانيته، وتجنب أي خطأ يعزز شعارات أنصار صراع الحضارات الذين يريدون إشعال حربها وسيكون المسلمون من أكبر الخاسرين إذا ما اشتعلت.
إن الاحتجاج رغم مشروعيته هو أسهل الأعمال أما الأصعب فهو العمل الدؤوب بعيد المدى والمنهجي والمتعقل، ومن يريد أن يحقق أهدافه لابد أن يركب المركب الصعب.
كاتب سوري