كثير من الآمال معلقة على التشكيل الوزاري الجديد. فهو تشكيل يرى البعض فيه ملامح لمرحلة جديدة يرجى منها أن تسهم بشكل أساسي في خلق تحولات تعزز من مسيرة الدولة في الكثير من المجالات التي تمثلها.

ومنها بشكل خاص توفير الحياة الكريمة للمواطنين وتفعيل دورهم واشتراكهم الإيجابي في صناعة الحياة على أرضهم. ولأن موضوع التشكيل الوزاري الجديد يرتبط بشكل مباشر بالكثير من قضايا وهموم المجتمع، فإن الحوار حوله.

ومعه يعد أمرا مهماً ومسؤولية أساسية يتحملها المعنيون والمهتمون بشؤون هذه البلد. أولا، لأن كل هذه الشؤون تعنينا كمواطنين وتمس حياتنا بشكل مباشر.

وثانياً، لأن الحوار مع القيادات خطوة مهمة في تعزيز المسؤولية المشتركة بينهم وبين مواطنيهم وتعميق سبل الحوار وقنواته على اعتبار أن الوطن وما يمثله أمانة في أعناقنا وعلينا جميعا أن نتحمل مسؤوليتها وأن نؤديها على خير وجه.

وأول النقاط التي أود أن أذكرها هنا هي الإشادة الكبيرة باستحداث وزارة للمياه والبيئة في التشكيل الوزاري الجديد، والتي أرى أنها كانت من أهم الخطوات التي أقدمت عليها الدولة. فموضوع البيئة وموضوع المياه تحديدا، من أكثر مواضيعنا أهمية وحيوية.

لأنه موضوع يرتبط بشكل مباشر بحياتنا وبقائنا على هذه الأرض. ونتمنى للوزارة الجديدة كل التوفيق في الاهتمام بمصدر الحياة الأول، وأن تبحث في سبل توفيره واستدامته كما نتمنى منها أن تضع من بين أولوياتها حق الأجيال القادمة في الحصول على المياه وتوفيرها لهم.

الموضوع الثاني الذي نود مناقشته هنا مرتبط بوزارة التربية والتعليم، وهي الوزارة التي عانت بشكل كبير من التخبط في برامجها والمشكلات الكثيرة التي نتجت عن ذلك، مثلما عانت أيضا من تهميش القدرات المجتمعية القادرة على توجيه التعليم والتخطيط له بشكل سليم.

لذا نرى أن المسؤولية التي ألقيت على عاتق الدكتور حنيف حسن هي من أكبر وأهم وأخطر المسؤوليات في برامج الدولة. لأن وزارة التربية هي العصب المهم الذي يغذي عناصر المجتمع ويعمل على تعزيزها.

ولأن هذه المسؤولية ليست بالهينة ولا بالصغيرة، فإن ضرورة الاشتراك في الحوار حولها أمر له صلة مباشرة في تحمل أفراد المجتمع للمسؤولية تجاه مستقبل أبنائهم، وبالتالي تجاه أمتهم.

هناك قضيتان أساسيتان مطروحتان بإلحاح في ميدان التعليم العام، الخصخصه واللغة. وحتى لا ندخل في تفاصيل كثيرة نركز فقط على نقطتين مهمتين في هذين المجالين:

أولهما: أن ما يطلق عليه منظومة الدول المتقدمة لم تلغ من برامجها أنظمة التعليم العام أو المجاني ولم تتعامل مع التعليم من منطلق تجاري بحت، وإنما نظرت إلى التعليم على أساس أنه مكون مهم من مكونات برامج تصب في نهاية الأمر في ميدان الاستفادة العامة للمجتمع والدولة.

فالمواطن المتعلم شخص تستفيد منه البلد أولا، فهي ترى فيه المواطن الذي يحقق ويحمل لها طموحاتها. وبالتالي فإن الاستثمار في تعليمه يصب في خدمة الدولة وليس ضد مصالحها الاقتصادية.

وعلى الرغم من أننا على يقين أن مثل هذه الرؤية موجودة لدى مسؤولينا فإننا إنما نرجو طرحها وتداولها على نطاق أوسع حتى لا تكون هناك أصوات تدعو باستمرار إلى خصخصة التعليم انطلاقا من رؤية لا ترى فيه إلا مبدأ الربح والخسارة المادية.

ولا ننسى أن نذكر هنا أن التشكيك في نظام التعليم العام يقودنا إلى التشكيك في أغلب عناصرنا القيادية، لأنها في غالبيتها قد تخرجت من المدارس العمومية أو مدارس الدولة. ثم ان نظم التعليم الخاص المتوفرة لدينا، وبالذات في غياب ضوابط صارمة حوله ورقابة مباشرة، لا يمثل في أغلبه إلا مؤسسات ربحية لا تؤدي بالضرورة الدور المطلوب منها بشكل قيم.

النقطة الثانية المتعلقة ببرامج التربية والتعليم هي موضوع الدعوة إلى التدريس باللغة الإنجليزية أو تغليبه في التعليم، وبخاصة في المواد ذات الطبيعة العلمية، لأنني أرى أن هذا الأمر سيؤدي بشكل غير مباشر إلى إضعاف الهدف الذي رأى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي أن وزارته الجديدة ستحققه، ألا وهو الولاء للدولة.

كيف ذلك؟ الجواب هو: ان الرسالة الضمنية التي يتلقاها الطالب وهو يدرس باللغة الإنجليزية تقول له، ان اللغة العربية، وهي في المحصلة النهائية جزء أساسي من مكونات الشخصية ومن وجدانها، لا ينظر إليها على أنها لغة ذات قيمة، وبخاصة في ميادين العلم، وهذا الأمر يؤدي بالتالي إلى النظرة الدونية للنفس وما تمثله من مرجعيات ومن قيم.

وإذا نظرنا بعين الاعتبار إلى طبيعة الحياة اليومية التي يعيشها أطفالنا والتي تغلب فيها مكانة اللغة والثقافة الإنجليزية، يحق لنا أن نتساءل عن نوعية الانتماء والولاء اللذين ينشأ عليهما الطفل.

وحتى نعطي الأشياء مسمياتها الحقيقية، فإن التدريس باللغة الإنجليزية في المجتمعات العربية لا يعني بالضرورة أننا نحصل على قدر أعلى من التعليم، وإنما يقع هذا الأمر في خانة ما يسمى بـ «التحيز»، أي تغليب ثقافة مجتمعية على أخرى.

وهو أمر ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمفهوم التوسع في مجالات العلم، وبخاصة إذا أدركنا أن البلدان التي تكون لغتها الأصلية هي الإنجليزية، تعاني أكثر منا من مشكلات في التعليم وتعاني من الأمية والجهل ومن وجود طلبة لا يستطيعون التعامل الجيد مع لغتهم الأصلية.

ولو أخذنا هذه المسألة بعين الاعتبار لوجدنا أن التحيز للتدريس باللغة الإنجليزية لا يرتبط ارتباطاً مباشراً بمستوى تحصيل الطالب العلمي أو مقدرته على التعلم بشكل أفضل، وإنما يكشف هذا الأمر عن موضوع التحيز الذي ذكرناه.

صحيح أن هناك إسهامات في العلوم في الغرب ربما زادت عن إسهاماتنا، لكن الصحيح أيضا في ميدان التقدم المجتمعي أن الترجمة تخدم أكثر، لأن فائدتها المجتمعية تكون أعم. وأخيراً أرى أن المخرج الحقيقي للكثير من مشكلات التعليم يكمن بشكل أساسي في وضع فلسفة ورؤية حول التعليم، لا تراه فقط كجهاز لفرز موظفين للدولة وإنما كمصدر من مصادر بناء شخصية الأمة.

جامعة الإمارات