أخيراً وبعد مناورات شاقة، تعب فيها الإيرانيون، أكثر من الآخرين، أُحيل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، وهي خطوة تحاشت معظم دول العالم أن تُتخذ، عدا الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي الرابع من فبراير، صَوتَ مجلس مفوضي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأغلبية 27 مقابل رفض ثلاثة، وامتناع خمسة عن التصويت، لصالح إحالة الملف إلى مجلس الأمن.
وهكذا خسرت إيران، الجولة الدبلوماسية الطويلة، التي بدأت منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، بعد أن غيرت كل من روسيا والصين مواقفهما، وتقاربا مع الموقف الأوروبي والأميركي، وهو التشكيك، بالنوايا الحقيقية، التي تكمن، وراء إصرار إيران، على إجراء عملية تخصيب اليورانيوم، في أراضيها. خاصة وأن لديها ما يكفي، من النفط والغاز، لإنتاج الطاقة الكهربائية.
لم يتبق أمام الدبلوماسيين الإيرانيين، سوى الأيام القليلة المتبقية، حتى السادس من مارس المقبل، حيث يقدم المدير العام للوكالة، تقريره النهائي إلى مجلس الأمن، الذي يتخذ الإجراءات في ضوئه.
لقد احتل البرنامج النووي الإيراني، العناوين الرئيسية، في الكثير من صحافة العالم، خاصة تلك التي تصدر في الغرب، على مدى السنوات الثلاث الماضية، منذ اكتشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بأن إيران، في وضع، لا يتفق مع التزاماتها، إزاء اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية.
كما خسرت إيران على المحور الإعلامي كذلك، إذ لم تكن تصريحات الرئيس الإيراني، أحمدي نجاد، حول الهوليكوست (المحرقة)، وتصريحاته بضرورة ترحيل الإسرائيليين، إلى احدى الدول الأوروبية، موضع ترحيب، حتى لدى أصدقائها، بل سببت إحراجات لهم (خاصة روسيا). كما عززت نفور الغرب، من السياسة الخارجية الإيرانية، التي تلقي بالمزيد من الزيت، على النيران المشتعلة، في الشرق الأوسط.
لعبت روسيا دوراً إيجابياً، خلال هذه الأزمة، انطلاقا من مصالحها، إذ ستكون أول المتضررين، إذا فُرضت العقوبات على إيران، أو تعرض البرنامج النووي الإيراني إلى التدمير. فهي تقوم بإنشاء عدة مفاعلات نووية، في أرجاء متفرقة من إيران، وفق اتفاقية وقعت بين البلدين، في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1992، وقد أثارت تلك الاتفاقية، حفيظة الولايات المتحدة، وانتقاداتها الشديدة، في حينه.
فقد قدمت روسيا، عرضاً رسمياً، إلى إيران، في الرابع والعشرين من ديسمبر المنصرم، مفاده إنشاء مشروع مشترك، روسي- إيراني، لتخصيب اليورانيوم في روسيا، وتصدير اليورانيوم المخصب إلى إيران، لاستخدامه في مفاعلاتها النووية. وهو عرض، يهدف إلى كسر الجمود، في المواقف المتعارضة، بين إيران والغرب. وقد تم تداول هذا العرض، في أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحظي بموافقة الولايات المتحدة، والدول الغربية، قبل أن يقدم رسمياً إلى إيران.
وإذ يبدو العرض الروسي، بمثابة طوق نجاة لإيران، إلا أنه خطوة استراتيجية بارعة، تسمح لروسيا، من جديد، بممارسة دور فاعل، في السياسة الدولية. دخول إيران تحت حماية مظلتها، يقربها من منطقة الشرق الأوسط، التي كان للإتحاد السوفييتي السابق، دور مهم في تقرير مستقبل الأحداث فيها.
وهو عرض بارع، يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو إذ ينقل العلاقات التجارية الروسية، مع إيران، إلى درجة متقدمة، يطفيء نيران أزمة، يأمل الجميع، أن لا يشهد أحد تداعياتها، مما يعزز الدور الدبلوماسي الروسي في العالم.
كان رد الفعل الإيراني المباشر، لقرار الوكالة بإحالة ملفها إلى مجلس الأمن، المزيد من الاندفاع، نحو حافة الهاوية، من خلال قيام إيران بما يلي:
1- إلغاء البروتوكول الإضافي، الموقع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يتيح للوكالة، إجراء عمليات تفتيش مفاجئة.
2- التهديد بالخروج من اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، في حال فرض عقوبات عليها.
3- إزالة الأختام والكاميرات، التي وضعها المراقبون الدوليون، والبدء بعملية تخصيب اليورانيوم، في موقع نطنز.
4- تأجيل البت، في العرض الروسي.
ويعتبر تأجيل البت في العرض الروسي، وليس رفضه، موقفاً احتياطيا، للدبلوماسية الإيرانية، قد تلجأ إليه، في اللحظات الأخيرة، إذا ما قررت التراجع، تلافياً للعقوبات، أو لعمل عسكري لتدمير منشآتها. إذ قد تحصل طهران، على بعض الامتيازات، من هذا العرض، من خلال تفاصيله الفنية، كأن يسهم خبراؤها، في الاشتراك، في بعض مراحل عملية التخصيب.
وهكذا أعطت إيران، المبررات لاتخاذ الإجراءات ضدها، ما لم تتراجع في الساعات الأخيرة. فما الذي تسعى إليه إيران، من وراء هذا التصعيد؟. أهو الحصول على أكبر صفقة مكاسب، من الغرب، مقابل تنازلها عن برنامجها النووي، كما سعت إلى ذلك كوريا الشمالية، أم مواجهة حقيقية، مع الولايات المتحدة، مع كل ما تجلبه هذه المواجهة، من أضرار لإيران، وربما لدول أخرى في المنطقة؟.
لا يخفى على أحد، بأن الولايات المتحدة، لا تعول كثيراً، على جدوى الجهود الدبلوماسية، فهنالك الكثير، من المعلومات، تشير إلى أن اللمسات الأخيرة توضع على الضربة العسكرية.
وإذا أخذت الولايات المتحدة بهذا الخيار، فسوف تُجر منطقة الشرق الأوسط، إلى وضع من الصعب تقدير مساراته. فقد لا تكون هذه الضربات، بالأسلحة التقليدية، التي لا تطال بعض أجزاء البرنامج، الذي عمل الإيرانيون، على تحصينه، في ضوء تجربة تدمير المفاعل النووي العراقي (أوزيراك) في مطلع الثمانينات، من القرن المنصرم.
وسوف تكون تداعياتها خطيرة جداً: ردود الفعل الإيرانية العنيفة، تردي سمعة الولايات المتحدة، تعرض قواتها في العراق إلى متاعب كثيرة، أضرار تلحق بأوروبا واليابان من جراء ارتفاع أسعار النفط.
يعتقد الخبراء الغربيون، في شؤون الشرق الأوسط، بأن من الممكن، رغم كل التعقيدات، في هذه المنطقة، اللجوء الى خيار القوة، فالتهديدات التي تطال المصالح الغربية، الأميركية بشكل خاص، في المنطقة، ستكون كبيرة، إذا ما اختل التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae