لننتبه جيدا إلى موضوع التعليم في الإمارات، فقد ابتعد النقاش بخصوص التعليم عن المضامين الجوهرية والكليات الكبرى، ابتعد عن الثوابت، ودخل في التفاصيل، فعدد المدرسات الممتنعات عن تنفيذ الجدول المدرسي، وعدم وجود أمناء للمختبر والصراع حول الكراسي داخل الوزارة، والتضخم البشري الذي تعاني منه وزارة التعليم، باعتبارها أكبر وزارة من حيث أعداد الموظفين و.. إلخ، هذه ليست قضايا تعليمية اطلاقا، أنها أمور إدارية بحتة يمكن لقسم شؤون الموظفين حلها وفق الأطر الإدارية المتبعة، والقانونية المتعارف عليها.. وانتهى الأمر!
أما قضايا التعليم فأكبر وأخطر من ذلك بكثير، التعليم حين نؤمن ونعتقد اعتقاداً جازماً بأنه حمايتنا الأكيدة، وسياجنا الأمني اليوم وغدا ولكل المستقبل الآتي، التعليم كما تعامله وتنظر إليه أمم الأرض المتحضرة والمتقدمة، التعليم باعتباره الأمن القومي الحقيقي للمجتمع، وليس التعليم الذي نتعاطى معه في عالمنا العربي على انه خدمة تقدمها الحكومة لافراد المجتمع مثله مثل رصف الشوارع، وزراعة الدوارات، وتوفير قروض الإسكان، وتحديث شبكة الصرف الصحي وغيرها، فهذه بالفعل خدمات، لكن التعليم ليس مجرد خدمة تشبه ما سبقها، إنه أكبر وأجل وأخطر، إنه الضمانة الأكيدة كي لا نكون في خطر، حين نهتم به ونرعاه وننفق عليه بلا حدود، بسخاء مقنن وليس بتبذير عشوائي!
ذات يوم صرخت الولايات المتحدة، القوة العظمى الأولى في العالم، صرختها التعليمية الشهيرة، حين صدر في ثمانينات القرن الماضي تقرير رفع للرئيس الأميركي رونالد ريغان معنون بـ «أمة في خطر». لقد صدر هذا التقرير عام 1983 عن اللجنة الوطنية للتفوق التربوي التعليمي، حيث وثقت هذه اللجنة تدهور المستويات العلمية للطلبة الأميركيين في اختبارات الرياضيات والعلوم تحديداً، كما وثقت الحاجة إلى تحسين نوعية التعليم والتعلم رابطاً وبشكل يجب الانتباه إليه بين ضعف التعليم وتدني مستويات الطلاب وبين تعرض الأمة والشعب للخطر الأكيد على مستوى الوجود والهوية!
لقد قال كثيرون كلاماً كثيراً يملأ كتباً ومجلدات عن أوضاع التعليم عندنا في الإمارات من دون نتيجة للأسف، وأنا هنا أستعير جملة من تقرير «أمة في خطر» مفادها أنه «لو حاولت دولة أجنبية معادية أن تفرض علينا في أميركا هذا المستوى من الأداء التربوي التعليمي المتواضع الموجود حالياً، لحق لنا اعتبار ذلك بمثابة إعلان للحرب، لكننا للأسف سمحنا نحن أنفسنا بحدوث ذلك».
نعم، الحقيقة هي أننا نمتلك مستوى تعليمياً متواضعاً جداً، لأننا لا نمتلك رؤية عن أي تعليم نريد، وأي طلاب نرغب في تخريجهم والحصول عليهم مستقبلاً، ولأي هدف نعلم ونتعلم وننفق هذه الملايين، والنتيجة هيكل إداري متضخم بآلاف الموظفين، ومدارس كثيرة، وطلاب بعشرات الآلاف، وميزانيات و... الخ وفي النهاية ينتهي فيلم التعليم الحكومي عند بوابات الجامعات بتقييم خلاصته أن طلاب التعليم الحكومي يحتاجون لإعادة تأهيل، وحين يتخرجون من الجامعة ترتفع فوق رؤوسهم جملة لا يصلحون لسوق العمل! إذن ماذا كانوا يفعلون خلال 16 سنة من التعليم؟!
sultan@dmi.gov.ae