في شهر نوفمبر من عام 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة (في دورتها الثلاثين) قراراً كان له دوي الرعد في جنبات النظام الدولي: أكدت المنظمة العالمية في القرار أن الصهيونية صورة من صور النزعة العنصرية (القائمة بداهة على التمييز بين البشر على أساس من الاستعلاء العنصري أو العقائدي).

ولا يملك المحلل - المؤرخ السياسي سوى أن يتعامل مع قرار من هذا القبيل من خلال الرجوع به إلى خلفية وملابسات المشهد الدولي والظروف العالمية التي واكبت صدوره لقد صدر قرار إدانة الصهيونية بعد 25 شهراً فقط من الأداء العسكري الناجح للجيوش العربية في حرب أكتوبر عام 1973 وبعد الموقف التضامني الرائع للأمة العربية بوجه إسرائيل ـ الصهيونية ومؤيديها ومن أجل تعزيز ومؤازرة الطرف العربي الذي كان يناضل من أجل تحرير أراضيه المحتلة وانتزاع حقوقه المغتصبة. واستحق العرب يومها احترام العالم حتى لقد ذاعت مقولة ان العرب يمكن أن يصبحوا إحدى القوى الدولية العظمى في ذلك الزمان.

بيد أن إسرائيل ظلت لمثل هذا القرار بالمرصاد. صحيح أن الكيان الصهيوني ـ على نحو ما قال المفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور فايز الصايغ ـ يقوم على أساس ثلاثي يتألف من العنصرية والتوسع الإقليمي والإرهاب، إلا أن الدوائر الصهيونية ظلت تتربص بالقرار الذي أشرنا إليه وكان أن مارست ضغوطها على دول شتى مما أفضى بالجمعية العامة للأمم المتحدة الى اصدار قرار ألغت به قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية.. وكان ذلك في مستهل عقد التسعينات.. أو فلنقل كان ذلك في مرحلة غربت فيها شمس العافية العربية وأصاب الموقف التضامني ـ التآزري العربي وَهَن شديد وتصدع عميق جسدته في بلاغة خبيثة ومرفوضة مأساة عدوان نظام بغداد السابق على الشقيقة الكويت.

ومن عجب أنها كانت الفترة نفسها التي شهدت ارتفاع موجة التربص العدائي، لا بالعرب وحدهم بل بالمسلمين والإسلام بشكل عام. وربما بدأت هذه الموجة في الظهور بعد أحداث الثورة الإيرانية في عام 1979 بما أفضت إليه ـ كما هو معروف ـ من مواجهة ظلت قائمة بل ومستعرة بصورة أو بأخرى بين طهران والولايات المتحدة.. يومها ارتفع صوت البروفيسور زبجنيو بريجنسكي وكان قد تحوّل عن كرسي أستاذ العلوم السياسية إلى منصب مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي.. فكان أن أطلق على العالم الإسلامي وصفا شهيرا يقول فيه: انه هلال المتاعب والأزمات.

بعدها ـ ومع استهلال العقد الأخير من القرن العشرين بدأت تظهر في الأدبيات السياسية الأميركية والغربية بشكل عام كتابات بالإنجليزية والفرنسية وغيرها. بعضها دعائي وبعضها أكاديمي ولكنها تدور جميعاً حول معنى واحد هو: الخطر الإسلامي.. المواجهة بين الإسلام والغرب الغضب (الإسلامي) المقدس.

وبين يدينا خلال كتابة هذه السطور ثلاثة كتب مهمة:

الأول صدر في عام 1992 لباحث محترم يحاول أن يكون موضوعياً أو رصيناً هو البروفيسور ون اسبوسيتو أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعات أميركا.. والكتاب صادر بعنوان له دلالته الذاتية وهو «الخطر الإسلامي».

الثاني صدر في عام 1996 وقد طوّفت شهرته الآفاق وهو كتاب تصادم الحضارات (أو الصراع بين الثقافات) للبروفيسور صمويل هنتنغتون أستاذ الدراسات الدولية في جامعة هارفارد.

الثالث صدر عام 1998 للبروفيسور شيرين هنتر مدير البحوث الإسلامية في مركز الدراسات الاستراتيجية في العاصمة واشنطن ويحمل الكتاب بدوره عنوان «مستقبل الإسلام والغرب» ثم يشفع هذه العبارة بعنوان فرعي تطرح فيه المؤلفة سؤالاً عن هذا المستقبل هو: «صدام حضارات أم تعايش سلمي؟».

ورغم أن ثمة سنوات أربع تفصل بين كتاب الخطر الإسلامي وكتاب صراع ـ صدام الحضارات إلا أنه يسترعي نظر الباحث أن كلاً من الكتابين على اختلاف المنهج والتوجهات يضم فصلاً فريداً يحمل عنوان «الإسلام والغرب»®. وكأنهما يمهدان السبيل أمام الكتاب الثالث الذي كرسته كاتبته لبحث الموضوع بشكل شامل.

وعندنا أن قد حان الوقت لكي نطرح هذه العلاقة بين الإسلام والغرب (الأوروبي - الأميركي) على بساط بحث مستفيض يتوسل بالمناهج العلمية ويتقصى كل جوانب هذه العلاقة من جذورها في الماضي إلى تطوراتها في الحاضر إلى آفاقها في المستقبل.

إن علاقة الماضي تبلورت على أرضية ثنائية تجمع بين الاستعمار والاستشراق، وأحيانا تمحورت حول أطروحة مزدوجة ومتكاملة قد نلخصها في عبارة «الاستعمار الاستشراقي» (العلم الغربي في خدمة الأطماع الكولونيالية) أو في عبارة مضاهية هي «الاستشراق الاستعماري» (النظرة العلمية التي كانت تصدر عن منطق استعماري ـ استعلائي وهو ما توقفت عنده كثيرا وبعمق تأملي وكفاءة أكاديمية بحوث وكتابات مفكرنا الفلسطيني ـ الأميركي الراحل إدوارد سعيد).

وإذا كان لنا أن نربط بين تطورات الحاضر وتوقعات المستقبل، فقد نظن أن أحداث السنوات الست من القرن الجديد تشكل في مجموعها مادة دالة ومغرية للتأمل، بقدر ما أنها تمثل مادة غنية بالدروس المستفادة التي ينبغي أن توضع نصب عيون واهتمامات الطرف العربي بكل من يحفل بهم هذا الجانب العربي من باحثين وساسة ومخططين ومحللين ومفكرين.

يكفي أن سنوات القرن الجديد بدأت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر فكان أن استغلتها كل القوى المعادية للعرب والمسلمين (إسرائيل الصهيونية وجماعات المحافظين الجدد في أميركا وقوى الحقد التاريخي على الإسلام والعروبة وهي أقرب الى قوى الصليبية الجديدة) ـ لكي تساوي الى التطابق بين مطلق «عربي» و«مسلم» وبين مطلق «إرهابي» بكل ما يحمله اللفظ من مفاهيم ودلالات ومن ظلال الهدم والترويع والتدمير ومعاداة الحضارة والثقافة والبناء.

ويكفي أن تنشر صحيفة مجهولة في بلد لا يكاد يسمع له صوت في الشأن الدولي رسوماً تحوي تعريضاً بنبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام.. لكي يرصد «الآخر» ردود أفعال العرب والمسلمين غاضبة.. ثائرة رافضة، وهذا أمر طبيعي.. نافرة العروق.. مستفَّزة الأعصاب.. لكنهم لا يلبثون يرصدون تطورات هذا الغضب الساطع.. حيث يعمدون إلى تأجيج شراراته من خلال ما عمدوا إليه من تكرار النشر في أكثر من صحيفة ومجلة.. وكأنهم يهدفون إلى أن ترتد هذه الغضبة المشروعة إلى نحور من أحسوها وتظاهروا على أساسها.

هنالك بلغت الأمور حدودا رصدناها نحن من جانبنا في سياق متابعة نظنها كانت دقيقة وتحليلية لبعض تظاهرات الأخوة المسلمين في أوروبا الغربية.. ولدرجة نحسب معها أن ثمة أصابع خفية (نتصورها صهيونية أو عنصرية حاقدة) تحركت ضمن هذه التظاهرات بمنطق الدس والتشويه ومن ثم التنديد والتشهير.. وإلا.. فما الذي يدعو شابا يسير وسط مظاهرات لندن وقد ارتدى حلة سوداء وحزاما أشبه بحزام ناسف تذكيرا للقاصي والداني بمن يطلق عليه الغرب وصف «القنابل الناسفة البشرية»؟ وما الذي يجعل مسلمين في مظاهرات أخرى يرفعون لافتات تحمل شعارات مرفوضة من قبيل «اقتلوا من يهين الإسلام» أو «اقطعوا رؤوسهم» أو «كونوا جزارين لهم» أو «أوروبا سوف تدفعين الثمن».

ونحسب أن التهديد بمقاطعة منتجات من يهينون رموز العقيدة ـ ناهيك برسولها الأكرم ـ ثم تفعيل هذه المقاطعة في إطار من رشد القرار وحزم التنفيذ وقدرة المتابعة بالنَفَس الصبور الطويل، هي أمور أجدى وأكثر فائدة وقدرة على توصيل الرسالة المطلوب إرسالها، على أن يواكب هذا كله دعوات تتذرع بالموضوعية وبمنطق العلم لحوارات وتفاعلات قد تطول بيننا وبين الغرب ولكنها سوف تجدي في نهاية المطاف.. شريطة أن يضم الطرف العربي ـ الإسلامي المشارك فيها أفضل ما حبانا الله به من خبرات النبوغ وكفاءات البحث وقدرات التطوير.. وقد حبانا الله منها كوادر متنوعة وعديدة.

كاتب مصري