في سلسلة استطلاع «البيان» حول المناطق النائية التي نشرتها الصحيفة أخيراً، لتلمس احتياجات هذه المناطق ومطالب أهلها من الخدمات المختلفة، امتدت أمامنا خريطة الوطن بشكل مختلف، وعرفت أجيال كثيرة أن الإمارات ليست دبي الجميلة التي تحاكي عواصم أوروبا بذخاً واقتصاداً فقط، وليست أبوظبي المختالة ببناها وشوارعها المخضرة فحسب، وليست الشارقة بصروحها الثقافية العملاقة وحدها.. وإنما هناك أيضاً شكل آخر للوطن يسكنه أهالي تلك المناطق!
رجل عجوز وامرأة بالكاد تبدو خيالاً لضعف جسدها ونحولها، يتكئان على سنوات العمر الذي ذهب وخلفهما وراءه مفترشين الأرض، الحصى والتراب، ومستندين إلى شيء يشبه البيت وما هو ببيت، ولكنه بناء متهالك من السعف والخشب واللبن، وفي فضاء الصورة تبدو خرائب وحيوانات سائبة ونثار مرمي على الأرض لأشياء بلا أسماء.
من هم هؤلاء الذين يسكنون تلك القرى والمناطق البعيدة جداً عن حواضر الإمارات ومدنها الباذخة؟ إذا كانوا بالفعل مواطنين إماراتيين، فلماذا إذن يقبعون في هذا البؤس بينما يتمطى غيرهم في النعيم وأفراحه؟
والسؤال هنا لا يدينهم ولا يطالبهم بالتوضيح، لكنه يطالب المسؤول عنهم أو المسؤولين على امتداد الوطن عن تقديم الخدمات للمواطنين، لماذا أسقطوهم من حسابات الوطن ومن حسبة المشمولين بالرعاية وخير الإمارات؟ هل قدمت لهم الخدمات ورفضوها؟ أم اقترحت لهم الخدمات ولم تكف الميزانية لتلك المقترحات، فعلقت على الشماعة ثم نسيت لأكثر من 35 سنة؟
فعلا ما حكاية أولئك الرجال المسكونين بالفقر والبؤس وتردي الأحوال؟
ما حكايتهم مع الوطن؟ مع التطور؟ مع الخيرات التي عمت الجميع وامتدت مثل عين عذاري لتسقي كل بعيد وغريب؟ لماذا يا ترى لم تصل مياه عذاري إليهم؟ آه.. كم يحفر بؤسهم أشكالا من الحزن في القلب والروح؟ وأحيانا أنهاراً من الحنين لزمن مضى قبضوا عليه هم دون اختيار ودون قصد!
يا ترى هل سيتحول أهالي تلك المناطق إلى أولوية في الأيام المقبلة؟ هل سينالون حقهم أخيراً؟ هل ستنضم أسماؤهم إلى كشوفات المستحقين لخدمات الماء والكهرباء والسكن والصحة والطرق والأشغال والبلدية والحدائق وسائر ألوان الرفاهية الإنسانية؟ نتمنى ذلك؟ شرط ان يبقوا على ذلك الخزين الهائل من الهوية وملامح الوطن فيهم وحولهم!
في دول الغرب، يتطور الريف أكثر من المدن، يبدو الريف أجمل وأكثر ترتيبا واحتفاء بالحياة وبالألوان وبالازهار، ويبدو الناس هناك أكثر صحة وجمالا ونقاء.. لماذا تنعكس الصور أو تنقلب عندنا في كل العالم العربي يا ترى؟
sultan@dmi.gov.ae