أن يكتب المرء عن ضحايا كارثة ما مثل العبارة المصرية الغارقة شيء، وأن يكون قريباً لأحد هؤلاء الضحايا فشيء مختلف تماماً.
شأن كل المصريين والعرب حزنت كثيراً للكارثة، وشعرت بالمهانة والعجز واللامبالاة للحالة التي وصلنا إليها، وبمقتضاها أصبحت حياة الواحد منا لا تساوي في نظر حكومته شيئاً.
هذا الحزن العام اكتسب بالنسبة لي صورة أشد عندما علمت أن أحد ضحايا العبارة «السلام 98» التي غرقت في البحر الأحمر قبل عشرة أيام هو أخي وقريبي إبراهيم مرزق عبدالحفيظ، ابن قريتي التمساحية في محافظة أسيوط.
نشأنا سويا، لعبنا ولهونا، وذهبنا إلى المدرسة معا، ثم فرقتنا الأيام، هو ذهب إلى الكويت بحثاً عن عمل شريف، بدلاً من قدر البطالة الذي يتربص بغالبية أبناء الصعيد المحروم من غالبية الخدمات إلا ما ندر.
هناك في الكويت تحمل إبراهيم قسوة العمل والسكن الجماعي وكل آلام الغربة والبعد عن الأهل والوطن أملاً أن يوفر لوليده الصغير حياة أفضل... إبراهيم تزوج منذ زمن، لكن الله لم يرزقه بطفل إلا منذ شهرين.. هو اعتاد العودة لقريته صيف كل عام، وعندما سمع الخبر الذي انتظره طويلاً بقدوم مولوده محمود قرر العودة فوراً كي يراه ويحتفل به.
في كل سفراته كان يستقل الطائرة، أحد أصدقائه نصحه بأن يسافر براً ثم بحراً كي يستمتع برحلة البحر، صدق نصيحة صديقه، أو بالأحرى ذهب إلى قدره، لأنه لا يعرف أن المجرمين قرروا تقديمه وبقية الركاب كوجبة دسمة لحيتان وأسماك القرش في البحر.
نحزن كثيراً عندما نفقد عزيزاً، لكن حزننا يقل رويداً عندما ندفنه، فهل تصور أحدكم كم هو مؤلم ألا تجد جثة من تحب، وتظل معلقاً بأهداب الأمل أو حدوث معجزة تعيد لك عزيزك المفقود من بين أنياب أسماك البحر المتوحشة..
حزن أقربائي لم يخفت إلا عندما وجدوا الجثة بعد خمسة أيام من الحادث، استسلموا للقدر وكعادة البسطاء، دعوا للفقيد الشهيد بالرحمة ثم ذهبوا للمساجد ولأعمالهم، لكن قلوبهم تمتلئ غضباً وسخطاً على كل من تسبب في الكارثة، بدءاً من هروب قائد العبارة وإهمال فريقه نهاية بالأداء السياسي البائس للحكومة في هذه المأساة.
ما حدث مع أسرة قريبي، حدث بالطبع مع كل أسر الضحايا، بل إن مأساة بعضهم أكبر، لأنهم لا يعرفون مصير أقربائهم حتى اللحظة، وبعضهم لا يزال ينظر إلى البحر يستعطفه إن لم يعد إليه قريبه أن يقذف إليه بجثته.
على حد علمي لا توجد حكومة على ظهر الأرض تتعامل مع أبنائها بمثل هذه القسوة واللامبالاة، دعك من التصريحات الإعلامية البراقة، والوعود الجوفاء، انظر إلى أرض الواقع، الكوارث تتكرر بصورة منهجية من العمارات الحديثة التي تنهار على ساكنيها بفعل الاسمنت المغشوش، إلى القطار الذي يحترق بفعل «إهمال وابور الجاز» إلى احتراق نخبة من ألمع عقول مصر الفنية في مسرح بني سويف بسبب «شمعة شكسبير» نهاية بكارثة العبارة.
وأغلب الظن أن التهمة ستوجه للضحايا أيضاً.. لكن أحداً لم يجرؤ حتى الآن على الإشارة بوضوح إلى المتهم الحقيقي، فدم إبراهيم ورفاقه في رقبته.