قد يثير مصطلح «الدولة العراقية الثالثة» التساؤلات لدى الكثيرين، وهم على حق في ذلك، فما هو المقصود، بهذا المصطلح، وما هما الدولتان الأخريان، الأولى والثانية.

تأسست على أرض السواد، أو على جزء منها، ومنذ أقدم العصور، دول وحضارات عديدة، ولكنها لم تكن تحمل اسم العراق، بل حملت أسماء أخرى: سومر، أكد، بابل، آشور، وقد انتهت آخر تلك الدول، عند سقوط بابل، في عام 539 قبل الميلاد. ولم يعد بناء دولة أخرى، في العراق، إلا بعد الفتح الإسلامي، حين تأسست الدولة العباسية، وعاصمتها بغداد.

إلا أن الدولة الأولى، التي تحمل إسم العراق، وهي المملكة العراقية، قد تأسست عام 1921 على أسس مشابهة لما هو سائد في بريطانيا، فالملك، وهو رأس الدولة، شخص مصون غير مسؤول، كما نص عليه دستور1925. أما السلطة التشريعية، فتتكون من مجلس النواب المنتخب، و مجلس الأعيان الذي يُعين أعضاءه من قبل الملك، وذلك على غرار مجلسي العموم واللوردات في بريطانيا. أما السلطة القضائية، فكانت مستقلة وممثلة بأعلى هيئة فيها، وهي محكمة التمييز.

وقد إرتبطت المملكة العراقية، بمعاهدة عام 1930، التي أتاحت لبريطانيا، الإبقاء على قاعدتين عسكريتين، في الأراضي العراقية، لمدة خمس وعشرين سنة. كما انضمت، في خمسينات القرن المنصرم، إلى حلف المعاهدة المركزية (السنتو)، الذي ضم كذلك، إيران وتركيا وباكستان، والذي عرف بإسم حلف بغداد.

و تميزت السياسة الإقتصادية للدولة، باستنادها إلى الملكية الكبيرة للأرض، وعلى ربط العملة العراقية، بالجنيه الإسترليني، وعلى منح شركات النفط الغربية، البريطانية خاصة، حق البحث والتنقيب عن النفط، في جميع الأراضي العراقية. وإختطت الدولة لنفسها سياسة خارجية، تستند إلى التحالف مع الغرب، من خلال العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية، ولم تكن هنالك، أية علاقات مع الدول الإشتراكية.

ورغم تعاقب عدد من الحكومات، وعدد من رؤساء الوزارات، خلال الفترة الزمنية، لهذه الدولة، والتي دامت 37 سنة، إلا أن المعالم الرئيسية، التي تحدد هيكلية الدولة، وسياستها الخارجية، وبنيتها الاقتصادية، بقيت دون تغيير.

وقد تميزت هذه الفترة، بسيادة الروح المدنية، و غياب دور الجيش، في رسم السياسات أو التأثير على مجرى الأحداث، رغم الاستعانة به، في حالات استثنائية، للتصدي للغضب الشعبي. كما تميزت تلك المرحلة، على المستوى الرسمي، بحس عراقي، لم يتناغم، مع الدعوات العروبية التي كانت آنذاك، في طور التصاعد. كما تميزت بعدم وجود تعددية سياسية، ولجوء معظم الأحزاب المعارضة إلى العمل السري.

في صبيحة الرابع عشر من يوليو، عام 1958، ولدت الدولة العراقية الثانية، تحت مسمى الجمهورية العراقية، عندما أسقط الجيش العراقي، مدعوماً بتأييد شعبي كبير، الحكم الملكي. وألغيت وفق ذلك، جميع الهيئات والقوانين، التي ارتبطت بالنظام الملكي، ومنحته شرعية الوجود، منها دستور عام 1925، وأُصدر دستور موقت، يضفي الشرعية، على الحكم الجديد.

وتغيرت السياسة الخارجية، للدولة الفتية، فقد إنسحب العراق، من حلف المعاهدة المركزية، وانتمى إلى مجموعة عدم الانحياز، وأنشأ علاقات دبلوماسية مع الدول الإشتراكية. وأُجريت الكثير من الإصلاحات، التي ساعدت على ظهور منظمات المجتمع المدني، كالنقابات والجمعيات.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي، الذي وُضع بموجبه، حداً أعلى لملكية الأرض، وصادرت الدولة، ما زاد عن ذلك، مقابل تعويضات، وقامت بتوزيعها على الفلاحين. كما صدر القانون رقم 80 لسنة 1961، الذي جعل حقوق شركات النفط، مقتصرة على الحقول النفطية المستثمرة فعلاً، وحررت العُملة العراقية، وذلك بالخروج من المنطقة الإسترلينية.

وقد شهدت الفترة، التي أعقبت ثورة يوليو، صراعات داخلية عنيفة، وتدخلات إقليمية، كان من نتائجها، وصول حزب البعث إلى الحكم، في انقلاب دموي، يوم الثامن من فبراير عام 1963. ولم يدم هذا النظام، سوى تسعة أشهر، حيث أطاح بها الجيش، في الثامن عشر من أكتوبر من العام نفسه.

وأعقب ذلك سلسلة من الإنقلابات الفاشلة، انتهت بعودة البعث، إلى الحكم في إنقلاب عام 1968. ليبدأ عهد جديد، أستمر لمدة خمس وثلاثون سنة، مثلت تداعياتها، المقدمات لانهيار الدولة العراقية الثانية، بعد أن عمرت مدة 45 سنة. مفسحة المجال لعصر جديد، في تأريخ العراق، ألا وهو، عصر الدولة العراقية الثالثة، الذي بدأ بسقوط العاصمة العراقية بغداد، في التاسع من أبريل عام 2003.

اتسمت الدولة العراقية الثانية، بهيمنة الروح العسكرية، على مختلف الأصعدة. فقد شهد العراق خلالها، ثلاثة انقلابات عسكرية ناجحة، وعدداً آخر، من المحاولات الفاشلة. كما عاش العراقيون فيها، في ظل دساتير موقتة، لم يصادق عليها مجلس نيابي منتخب. و إتسمت أيضاً، بتراجع الهوية العراقية، لصالح الطروحات العروبية، و بتفاقم المشكلة القومية الكردية. و مسخت في العقود الأخيرة، منظمات المجتمع المدني، وتحولت إلى أدوات تابعة للسلطة. وإتسمت كذلك، بغياب التعددية السياسية، وبلجوء المعارضة، إلى العمل السري أو الهجرة إلى الخارج.

من السابق لأوانه، تحديد ملامح، الدولة العراقية الثالثة، ولكن يمكن القول، بأنها تتسم بسيادة الروح المدنية المؤسساتية، التي تستند إلى دستور دائم، يسمح بالتعددية السياسية، وبتداول السلطة. إلا ان ما يجدر ملاحظته، هو أن هذه الدولة، قد جلبت معها، مخاوف حقيقية على وحدة العراق، و مخاوف حقيقية، من صراعات مذهبية مقيتة، لا تُبقي ولا تذر.

ومن ملامحها كذلك، إنها أبعد من التي سبقتها، عن المشاريع العروبية، ولكنها ليست أبعد كثيراً، في علاقاتها، عن العالم العربي. كما أن إقتصاد هذه الدولة، في طريقه ليصبح إقتصاداً حراً، تلعب المؤسسات المالية الكبيرة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، دوراً مهماً في تعيين مساراته.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae