بداية تشكر القيادة العامة لشرطة دبي ممثلة بإدارة حقوق الإنسان في طرحها موضوع حق النساء السجينات بالخلوة الشرعية، كما وأن النيابة العامة مشكورة لتجاوبها مع هذا العرض حال توافر نصوص قانونية تساند هذه الدعوة والنظرة الإنسانية،
ومما لا شك فيه أن حق النساء السجينات بالخلوة الشرعية أمر حسن وفي هذا المقام نؤكد على أن الحبس وسيلة من العقاب بها شيء من القمع للإنسان إلا أنها هي الطريقة الوحيدة الممكن تنفيذها بحق المجرمين والمذنبين في ظل تقسيم الدول وتحديد الجنسيات،
ذلك أنه لم يرد في التاريخ النبوي قيام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه حاكماً بحبس أحد، بل كانت العقوبات المقررة في وقتها هي النفي والمخاصمة، والنفي يتمثل بالإبعاد
وهو ما لا يمكن تطبيقه اليوم بحق مواطني الدولة لعدم إمكان تحميل دولة مجرمي بلد آخر، والمخاصمة هي كما كان حال الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتمت مقاطعتهم وفق التوجيه الرباني بعدم الكلام إليهن،
إلا أنه استعيض عن ذلك لاستحالة تنفيذ هاتين العقوبتين بعقوبة الحبس، وهو ما فعله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أمر بحبس الحطيئة في بئر عقوبة له بسبب هجائه، وبالتالي فإن عقوبة الحبس لها محل لقيام أحد الخلفاء الراشدين بها وموافقة الصحابة عليها فكان إجماعاً منهم على ذلك.
وبغض النظر عن أساس صحة عقوبة الحبس إلا أن عقوبة النفي أو المخاصمة التي كان معمولاً بها كانت تتيح الفرصة للرجل أو المرأة المنفذ في حقهما العقوبة التمتع بحياتهما الشخصية،
ذلك أن أحدهم إذا نُفي من البلاد كان يصطحب معه أفراد أسرته إن شاء. وبالتالي فلا تُحرَم الزوجة من زوجها ولا العكس، كما وأن رقابة ربّ الأسرة تظل قائمة على أبنائه،
وبالنظر إلى هذا الطرح نرى أن أساس المشكلة هو إمكان تخلي أي طرف من الزوجين عن الآخر دون أن يترتب ضرر لأحد الطرفين، ومع ذلك يمكننا ملاحظة ما ذهب إليه قانون الأحوال الشخصية الجديد في مواده إذا قررت المادة (131) إعطاء الحق للمرأة بطلب الطلاق إذا حكم على زوجها بالحبس مدة ثلاث سنوات فأكثر، فمن حقها طلب التطليق بعد مضي سنة من حبسه.
ولذلك فإن وجهة نظري في هذا الموضوع متمثلة في إعطاء الحق للسجين الرجل بالاختلاء مع زوجته إشباعاً لرغبتها، أكثر منه لرغبته، وحفاظاً على كيان الأسرة من الانهيار إذ يمكن للزوجة بهذه الحالة الاكتفاء والصبر على زوجها دون طلب الطلاق.
ويمكن طرح طرق عدة لتنظيم مثل هذا الاتصال بين الزوجين وإن في ذلك درءاً للمفاسد ومنعاً لانتشار الفواحش. فقصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلومة عندما كان يمر ليلاً للاطمئنان على حال الرعية إذ سمع امرأة تُنشد:
تطاول هذا الليل واسود جانبه
وأرّقني ألا حبيب أداعبه
فوالله لولا الله تُخشى عواقبه
لهدم من هذا السرير جوانبه
فسأل سيدنا عمر ابنته سيدتنا حفصة رضي الله عنهما: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت أربعة أشهر، فأمر بإرجاع الجيش وتغييره كل أربعة أشهر حفاظاً على كيان الأسرة ودرءاً للمفاسد.
وعليه فإن منح السجين الحق في الخلوة مع زوجته حق أرى تطبيقه لما فيه من مصلحة مرجوة. أما السجينة فإن كان القول إن لها حقاً في الخلوة الشرعية كما هو للرجل إلا أنني لا أرى قبول ذلك لأسباب أرجو أن تؤخذ في عين الاعتبار، ذلك أن الزوجة أو المرأة ستكون محبوسة،
وبالتالي فلا يُخشى عليها الفساد، وعكس ما إذا كانت هي في الخارج وزوجها حبيساً. كما وإن الزوج يمكن أن يتزوج غيرها في أي وقت شاء. وإن القانون لم يمنح الزوج الحق في تطليق زوجته عند حبسها إذ أن هذا الحق ممنوح له أصلاً دون ترخيص له به، وإن أكبر معضلة ستصادف تطبيق منح السجينة الحق بالخلوة الشرعية هو خشية حملها، أي أن تحبل،
وما يترتب على ذلك من آثار مستوجبة الحيطة، لأن المرأة الحامل ستمر بمراحل تحتاج فيها إلى رعاية خاصة تحت نظر الأطباء وفترة وحام سترتب أثرها على الجنين، كما وأنه يُخشى عليها حمى النفاس حال ولادتها لعدم توافر الجو الصحي المناسب للمرأة الوالدة،
وإننا سنعاني مضاعفة مشكلة السجينات اللاتي يلدن في السجن ويبقى أولادهن معهن للرعاية وسوف تظهر وقتها مشكلة أبناء السجينات ويُخشى أن تصبح ظاهرة، وهي مشكلة أرّقت كل منظمات حقوق الإنسان، فضلاً عما ستتكبده ميزانية الدولة من مصاريف علاج ورعاية للسجينات الحوامل، وهو ما يجب الاحتياط منه لما هو معلوم مما يكبده السجين الواحد لميزانية الدولة.
وحول ما قد يُثيره البعض من أن حبوب منع الحمل كفيلة بعدم حمل المرأة، فهذه المسألة ليست بالسهولة المتوقعة، فمن المعروف في المجال الطبي أن حبوب منع الحمل تحدث اضطرابات هرمونية لدى المرأة تجعلها عصبية المزاج، وتقوم بتصرفات غريبة،
فضلاً عن الأضرار الجسدية التي تخلفها والنتائج السلبية على الجنين في حال حدوث الحمل رغم تناولها إذ غالباً ما يأتي المولود مشوّهاً في هكذا حالات ومُعرّضاً لشتى أنواع الأمراض، وبالتالي تزيد المشكلة تعقيداً ويضحى من الصعب الاهتمام بالوالدة السجينة والمولود المشوّه الذي يحتاج لرعاية خاصة.
ومن ناحية أخرى لا يمكن الركون إلى ضمانات بأن السجينة سوف تتناول هذه الحبوب بشكل طبيعي، ذلك أن غريزة الأمومة وقضاء الوطر الجنسي لدى السجينة يجعلان الأخيرة تعتمد أسلوب المراوغة في تناول هذه الحبوب، وبالتالي لا يُوتمن على السجينة تناولها في الفترات اللازمة، وبهذه الحالة يستحيل الوصول للغاية المنشودة.
فالغاية التي ترمي السجينة إلى تحقيقها وهي الراحة النفسية والإشباع الجنسي، فضلاً عن حاجة الشعور بالأمومة يجعل كل أسباب تجنّب إعطاء النتيجة المرجوة لهذه الحبوب في متناول يد السجينة.
لذلك فإنني أدعو للتروي في إصدار قانون أو التصريح للسجينات بالخلوة الشرعية حتى تدرس جميع جوانب الطرح وبمنظور الرأي والرأي الآخر لما فيه من تجنب لمشكلة قد يصعب تداركها فيما بعد.
محامٍ إماراتي